مأساة مسلمى الروهينجا

 

في ألمانيا.. تطرُّفٌ مُتبادَلٌ ومحاكماتٌ سريعة
Sameh Eledwy

في ألمانيا.. تطرُّفٌ مُتبادَلٌ ومحاكماتٌ سريعة

     حفْظ السلم المجتمعي ليس بالأمر الهيّن، فعينٌ على التهديدات الداخلية، وعينٌ أخرى على تهديدات ذلك السلم من الخارج، موازنة ليست بالأمر الهين، وقد يلحق بالتطبيق بعض العُوار، إلا أنه يبقى في مجال اجتهاد القائمين على المجتمع والحراس على شئونه، ولا يمكن مجابهة هذه التهديدات وخَوض هذه التحديات، إلا بالحِرفيّة العالية والالتزام بالقانون، حيث يمكن استدراك الخطأ وتصحيحه.

لا يُفرّق بين التهديد الداخلي والتهديد الخارجي من حيثُ الإجراءاتُ؛ فكلاهما يحال للقضاء، وتُتّخذ ضده الإجراءات القانونية اللازمة، فمن واقع التجرِبة؛ لم تُفَرِّق الدولة الألمانية -في حالة اعتداء على السلم المجتمعي- بين رجلٍ ألمانيِّ الأصل أو لاجئٍ عربيٍّ مسلم.

ففي الأسبوع الماضي، صدر حكم بالسجن لمدة ثلاثة أعوام، بحق شخص ألماني من مدينة نويبراندنبورج Neubrandenburg  يبلغ من العمر 21 عامًا، وذلك بعد اعتدائه على لاجئ بالمِطرقة، وقيامه بأعمال عنف أخرى، وتمّت إدانته بالتسبُّب بالعديد من الجروح الخطيرة ومقاومة السلطات.

 كما وضّح القاضي  في حَيثيّات الحكم؛ أن سبب هذا الحكم هو قيامه بعملٍ يفضي إلى الموت، ونبّه على خطورة ذلك الاعتداء، و اعترف المتهم بارتكابه العديدَ من الجرائم، لكنه نفى تهمة كراهية الأجانب.

يُذكر أن المتهم كان قد قام قبل ذلك، وبالتحديد في 11 نوفمبر 2017، بقذف شخصٍ عراقي بأَصيص الزرع خاصّته، وقام بتتبُّعه بالمِطرقة مُهَدِّدًا إيّاه بالضرب، كما قام بعدها بضرب أحد السوريين بالمطرقة، وفي نهاية المحاكمة، قام ذلك الشخص بالاعتذار لضحاياه.

يمكننا تَفَهُّم اعتراف الجاني بجرائمه؛ حيث محاولتُه التخفيفَ عن نفسه شِدّةَ الأحكام، أو ربما لندمه على فعلته العدوانية، إلا أننا نتوقف عند إصراره على نفي تهمة كراهية الأجانب عن نفسه، ونلتمس في ذلك محاولته تبرئة نفسه من الإرث المجتمعي النازي، حيث إنه لا يريد أن يوضع في بَوتقة النازيين المُعادين للأجانب، والمحاربين عن النقاء الجنسي للمجتمع الألماني.

التهديدات لم تكن فقط من جانب الطرف الألماني وحده، بل سجلت النيابة العامة بعضَ حالاتٍ أخرى من جانب اللاجئين، فعلى سبيل المثال: اعتقلت السلطاتُ الألمانية "أيمن أز"، البالغَ من العمر عشرين عامًا، خلال عام 2017، بإحدى مناطق ولاية هامبورج، وهو قَيد الحبس الاحتياطي منذ ذلك الحين، وقد قَدِمَ "أيمنُ" ألمانيا بعَدّه لاجئًا، خلال عام 2015،  وسكن بمدينة شفيرين بهامبورج، واعتاد الذهاب إلى المسجد، كأيّ مسلٍم آخَر، لكنه كان يُبدي اهتمامًا كبيرًا بدعايات تنظيم "داعش" الإرهابي، عَبْرَ الإنترنت.

كشفت التحقيقات من جانب النيابة أن فحوى بعض رسائل الدردشة والمكالمات، التي كان يُجريها المتهم قبل اعتقاله، وأقوال بعض الشهود، تتناول طُرُقَ صُنْعِ القنبلة وإرشاداتٍ تَخُصّ ذلك، وأشارت التحقيقات أيضًا إلى أن المتهم حاول خمسَ مرّاتٍ -على الأقل- صُنْعَ قنبلة، وكان يقوم بشراء المواد الكيميائية عَبْرَ تطبيق "أمازون".

وقد وجد المحققون بالفعل آثار مادة TATP بمنزل المتهم، وهي المادة نفسها التي استخدمها الإرهابيون في العمليات الإرهابية التي نُفّذت في كلٍّ من: باريس عام 2015، وبروكسل عام 2016، ومانشستر عام 2017.

و طالبت النيابة بتوقيع عقوبة الحبس لمدة خمس سنوات ونصف، بحق  المتهم ذي الأصول السورية، ومن المُقَرَّر النطق بالحكم بحق المتهم، خلال جلسة  الثالث والعشرين أو الثلاثين من نوفمبر الجاري.

والتعامل مع المتهمين داخل الإطار القانوني يُعلي من شأن الدولة ويرفع الحرج عنها حين الوقوع في الأخطاء الإجرائية، كما أنها بذلك تُعلي من قيمة إنسانية المجرم ذاته رغم اعتدائه؛ ممّا يُعَزِّز سُبُلَ رجوعه وإعلان ندمه على المل، ومن الواضح أن الهدف ليس بَتْر أصحاب التهديدات، بل تقويمهم في المقام الأول، ثم مقاومة انتشار فكرهم.

ويؤكّد "مرصد الأزهر" ضرورةَ مجابهة تهديدات السلم المجتمعي، ليس على الجانب القانوني الإجرائي فقط، بل على الجانب النفسي والتربوي والسياسي والمادي وغير ذلك، حيث إن الهدف الأَسمى للحكومات والسياسات هو حفظ السلم، ولا يجوز النظر للسلم من وجهة نظرٍ عِرقيّة أو قومية، بل سلم المجتمعات مرتبط بعضه ببعض.

 من ناحيةٍ أخرى، نطرح سؤالًا مهمًّا حول دَوافع هذه الاعتداءات من الجانبين، وهي دَوافِعُ تأتي في الغالب في إطار التطرف والكراهية المتبادَلة، التي يحمل إثمَها -بلا شَكٍّ- جماعاتٌ إرهابية ترفع راية الدين، وتَنسُب إليه جرائمَها، وأخرى يمينية متطرفة ترفع راية الكراهية والعُزلة، في صورةٍ باتت غريبةً على مجتمعات التحضُّر والتقدُّم.

وما قام "المرصد" بمتابعته في الشهور الأخيرة؛ من تنظيم مسيراتٍ ومظاهراتٍ من جانب الأحزاب اليمينية، الساعية لفرض أجنداتها السياسية، أمرٌ لا يَقِلّ خطورةً بأيّ حالٍ من الأحوال عمّا تقوم به مجموعات التطرف المنتسِبة إلى الدين.

وهنا تبقى المحاكمات والعقوبات التي تواجه بها الحكومةُ الألمانية الجانبين، بصيصَ أملٍ في رَدْع مَن يحمل أفكارًا، تُعَكِّر على الناس صَفوَ السعي إلى السلام.

وحدة الرصد باللغة الألمانية

 

الموضوع السابق الأزهر الشريف يُدين الهجومَ الإرهابي على احتفالٍ للمَولِد النبوي في أفغانستان
الموضوع التالي تقييد الزواج بين الشريعة والقانون
طباعة
1435

أخبار متعلقة