مأساة مسلمى الروهينجا

 

داعش.. البطولة المزيفة
Sameh Eledwy

داعش.. البطولة المزيفة

     حتى لا يستقطبوهم، يجب علينا التخلي عن السؤال التقليدي والنمطي "هل انتهت الجماعات المتطرفة؟" أمثال داعش وتنظيم القاعدة، والتفكير جديًّا في أساليب بسيطة ناجحة من شأنها أن تُبين حقيقة هذه الجماعات وما ترمي إليه من أهداف شخصية متخذةً من الدين ستارًا لها، أساليب من شأنها أن تُحصن جميع أطياف المجتمع من الوقوع تحت تأثير هذه الأفكار الهدامة التي تُنهي حياة الإنسان، إما عن طريق القتل أو عن طريق حرمانه من التفكير باتباعه وانسياقه وراء تلك التنظيمات المتطرفة.

 وحتى نقف على أساليب ناجحة مفيدة، علينا أن ندرس الأساليب التي استخدمها تنظيم "داعش"، على سبيل المثال، من حيث إنه التنظيم الذي كان لديه تنوع في المنتمين إليه أو المتأثرين به، إضافة إلى تلك الإمكانيات الجبارة التي امتلكها التنظيم بدءً من أحدث أنواع الأسلحة وسيارات الدفع الرباعي والكتيبة الإعلامية التي كانت تستخدم أحدث التقنيات والنوافذ التي يتردد عليها الشباب مثل تويتر وفيسبوك وتطبيق تيليجرام وغيرها. الأمر الذي يدعونا إلى التفكير من أين امتلك تنظيم داعش الإرهابي كل هذه الإمكانيات ومن هو الممول الحقيقي الذي يقف وراءه؟ ماهي طبيعة تلك الإستراتيجية النفسية التي استخدمها هذا التنظيم الإرهابي لاستقطاب الشباب؟ ماذا علينا أن نفعل تجاه ذلك؟

وحيث إنه من الواجب علينا إن أردنا النجاح والتفوق أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون إن أصابوا، وألا نعيد اختراع العجلة من جديد، فلا يمكننا أن نُهمل ما كُتب من أعمال سابقة (كتب – دراسات – مقالات أو حتى قصص) في هذا الشأن. وفي هذا السياق علينا أن نوجه انتباه القارئ إلى مقال نشرته إحدى الصحف تحت عنوان "طرائق «داعش» في إقناع الشباب الوديع بأفكاره الوحشية ... رؤية نفسية" حيث يوضح الكاتب أهمية البُعد النفسي في معالجة وتحليل أساليب تنظيم داعش الإرهابي فيقول:

"يقدّم علم النفس بفروعه المختلفة تفسيرات مهمة لظاهرة التطرف والإرهاب من منطلق اهتمامه بديناميكيات الجماعات، والتأثير والإقناع وتغيير الاتجاهات، وسيكولوجية الطاعة، وتحول الإنسان من كائن خيِّر إلى شرير، والحرب النفسية. ويعود الاهتمام بالجوانب النفسية إلى توظيف داعش الأساليب والنظريات النفسية بأسلوب فعال غير مسبوق من الجماعات الإرهابية والسرية". ومن ثم يُجيب الكاتب على تساؤل "كيف يتحول الأخيار إلى أشرار؟" بقوله: إن أسباب السلوك الإنساني، - ومن ذلك السلوك العدواني والإرهابي والمتطرف- تعود إلى ثلاثة عوامل تعمل مجتمعة وتتفاعل في ما بينها، حسب ما أقر به عدد من علماء النفس، وهي:

- السمات الشخصية للفرد واستعداده النفسي ونزعته لسلوك معين، وهذا يتشكل من خلال الأساليب التربوية والبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها، ما يجعل بعض الأفراد، ونظرًا إلى تكوينهم النفسي، أكثر احتمالًا للتأثر بالأفكار المتطرفة والقيام بأعمال عنف وإرهاب.

- المنظومة الثقافية والاجتماعية والسياسية التي يعيش فيها الشخص، وتشمل المعايير والأنظمة والقوانين والمعايير الاجتماعية وثقافة المجتمع بشكل عام (وتشمل البيئة على المستوى المحلي أو العالمي).

- السياق الآني الذي يوجد فيه الشخص في وقت من الأوقات، فهو قد يشكل دافعًا للفرد لتبني موقف أو سلوك معين، وتدخل تحت ذلك السياق المؤثرات الاجتماعية والإعلامية وغيرها.

ويوضح الكاتب سبع عناصر تتكون من خلالها الإستراتيجية النفسية في الاستقطاب وهي:

(توفير أجوبة لتساؤلات حائرة (الإغلاق المعرفي) - توفير الهدف والمعنى للحياة والشعور بالقيمة الذاتية - إثارة روح الإحباط وتوفير فرص «للانتقام» - التصنيف (نحن وهم) - الطاعة العمياء - توفير نموذج البطل وتمهيد الطريق للبطولة - إشباع الحاجة للانتماء). وسوف نعالج في مقالنا هذا نقطة واحدة من النقاط السبع التي طرحها الكاتب ألا وهو معنى البطولة.

تكاد تتفق المعاجم والقواميس العربية على أن البطولة هي الشجاعة الفائقة التي لا يتصف بها إلا قليل من البشر، وإذا ما أردنا أن نبين معنى البطل وخصائصه في المعاجم العربية والغربية، نجد أنها اتفقت ضمنيًّا على أن البطل عمومًا "هو شخص له ملامح جسدية ونفسية تميزه عن غيره من الناس، وخصائصه تلك شديدة الصلة بالشجاعة والفروسية، وأنه شخص متسمك بمبادئه مدافعٌ عنها"، وفي المعاجم الأجنبية عرف (البطل) بـ (Héro) وهو الشخص الشجاع الباسل. والبطل إما أن يكون شخصية أسطورية، ربما تعود إلى التراث الشعبي، أو أن يكون البطل محاربًا مشهورًا؛ إنسانًا أو تنظيمًا يعجب به الناس لما حقق من نجاحات وإن كانت واهية.

وعليه فإن الشباب الصغير الناشئ الذي لم يخض معركة واحدة في حياته، يحلم أن يكون بطلًا يومًا ما، أن يعيش روح الثورات، أن يكون صاحب إنجازات يشار إليه من الجميع، أن ينال جزءً بسيطًا من الاهتمام والتقدير من الآخرين، وهنا يستغل المتطرفون هذا الشعور الغريزي في مكنون هؤلاء الصغار، إضافة إلى انعدام الهدف والرمز الحقيقي المعتدل في مخيلتهم، فَيَعِدُونهم بالبطولة المزعومة الواهية، وإن لم تنجح هذه النغمة مع بعض الشباب، ينتقلون إلى منحى آخر وهو التأثير عليهم بدعوتهم إلى الشهادة والفردوس الأعلى، فينساق بذلك الشباب وراء هذه الشعارات التي ترددها تلك الجماعات المتطرفة.

فيا أيها الشباب! إن الناظر في جوهر الدين الإسلامي وحقيقة التاريخ، يدرك أن الإسلام يجسد أسمى معاني الحرية في قول الله تعالى: "فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" (الكهف - 29). وفي قوله تعالى: "قُلْ كُلّ يَعْمَل عَلَى شَاكِلَته فَرَبّكُمْ أَعْلَم بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا" (الإسراء - 84). ودعا رب العزة سبحانه نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى مخاطبة غير المؤمنين بقول: "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ" (الكافرون - 6). ويحرم الله تعالى في قرآنه الكريم قتل النفس في قوله: "أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا" (المائدة - 32). وأوضح القرآن أن الدين الإسلامي هو نورٌ يصطفى الله تعالى له مَنْ يشاء من خلقه في قوله تعالى: " نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ" (النور - 35). وفي قوله تعالى: "فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ" (الانعام - 125). ومن وقائع السيرة النبوية المُباركة يخاطب النبي الكريم أصحابه قائلًا: "لا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا طفلًا صغيرًا ولا امرأة" رواه أبو داود.

إن البطولة الحقيقية أن تكون مُبدعًا صاحب فكرٍ جديدٍ، أن تنير للإنسانية ما هي بحاجة إليه، أن تكون عالمًا موسوعيًّا، مثل ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع (Sociology)، والدكتور/ أحمد زويل، أن تكون كاتبًا ومفكرًا ناجحًا مثل طه حسين، أن تكون رياضيًّا ناجحًا مثل محمد صلاح ومسعود أوزيل، أن تكون قبل كل هذا إنسانًا بمعنى الكلمة، صاحب هدفٍ مفيدٍ في الحياة، إنسانًا يقدس الإنسانية ويحترم الناس كل الناس. لنأخذ من أخلاق صلاح الدين، الذي أعطى الأمان للمسيحيين عند فتح القدس المباركة، نموذجًا في العفو والتسامح والوفاء بالعهد.

هكذا تكون البطولة الحقيقية، هدفٌ نسعى إليه، نجاح نطلبه، إنجازات وتفوق نحققه في شتى مناحي الحياة، لا كل ما يدعو إلى القتل والتدمير والخراب، وإن كان باسم الدين أو العرقية والقبلية. اصنع لنفسك قدوة في حياتك، ضع لنفسك هدفًا ساميًا واعمل على تحقيقه. على كل أب أن يسأل أطفاله الصغار ماذا تريد أن تكون عندما تكبر؟ على كل أب أن ينمي في صغاره روح الحياة وحب الآخرين، أن يغرس فيهم الهدف من الحياة، أن يفكر في مستقبل جيد يضمن لأبنائه حياة آمنة بعيدة عن التطرف والتعصب والانحراف.

دروس مستفادة من هذا العرض البسيط:

- البطولة هي في أن تضع هدفًا وتسعى إليه.

- البطولة الحقيقة تعني التفوق الدراسي، النجاح في العمل، الإنجاز في الحياة.

- أن تقدم شيئًا مفيدًا للإنسانية من أسمى أهداف الحياة.

- لا تخدع بمقولات عاطفية، حكم عقلك واستمع إلى قلبك.

- حياتنا مرحلة على قدر النجاح فيها تكون بطولتنا.

- الإسلام جاء لتحرير العقول والدعوة إلى التفكر.

- الأديان والقوانين هي لحماية الإنسان لا للقتل باسمها.

وحدة الرصد باللغة الإيطالية

   

 

الموضوع السابق بناء الإنسان وتنوير العقول محور أساسى لتقدم وتنمية المجتمعات
الموضوع التالي بِلْجيكا بَيْنَ رَحى الإرْهابِ
طباعة
2380

أخبار متعلقة