مأساة مسلمى الروهينجا

 

منصات التواصل الاجتماعي .. ودورها في صناعة التطرّف
Sameh Eledwy

منصات التواصل الاجتماعي .. ودورها في صناعة التطرّف


     إنّ الثورة الرقمية التي يشهدها العالم الآن، وانتشار الهواتف الذكية وما تحتويه من تطبيقات مشفرة سهّلت للأشخاص التواجد والتفاعل المباشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي ساهم بشكل كبير في صناعة التطرّف، وكان العامل الرئيس في ذلك تلك المنصات التي غزت كل بيتٍ وحدبٍ وصوب.
كما أنّ الاهتمام البالغ الذي تحظى به تلك المنصات من قِبل روادها، أصبح من أخطر التهديدات الفِكرية والأمنية التي تُعانى منها جميع البلدان، وذلك بسبب شغف الشباب بكل ما هو جديد، وسرعة تأثرهم بالأحداث المختلفة، علاوة على ضعف خبراتهم الحياتية والثقافية، ما يجعل لتلك المنصات تأثيرًا شديدًا على أمن المجتمعات واستقرارها؛ حيث يتم من خلالها استقطاب العديد من الشباب لتنفيذ هجمات إرهابية ضد بلدانهم ومجتمعاتهم.
ومما يُسهم أيضًا بشكل كبير في جعل الشباب فريسة سهلة للتطرّف الإلكتروني، عملية التضليل التي تُمارسها الحركات والجماعات المتطرفة والإرهابية عبر منصات التواصل الاجتماعي، من خلال ترويج وتناقل الأفكار الخاطئة والمفاهيم المغلوطة بين مستخدمي تلك المنصات. كما يمكن استخدام منصات التواصل الاجتماعي أداةً فاعلة لتداول وترويج إشاعات وأخبار كاذبة وفقًا لأيديولوجيات معينة؛ لتحقيق مآرب بعينها لتغذية فِكر موجّه وتمزيق النسيج المجتمعي.
ولا يمكن أنْ نغفو عن حالة الفوضى المعلوماتية التي تتسم بها الشبكة العنكبوتية عامة، ومنصات التواصل الاجتماعي خاصة، لا سيما في الأمور الدينية، حيث تنتشر فتاوى وتفسيرات متشددة وشاذة للنصوص الدينية، والتي ينخدع بها مَن هم على دراية سطحية بأمور دينهم، فينخرطون في صفوف الحركات والجماعات المتطرفة والإرهابية التي ترتكب الأعمال الإرهابية بدعوى الدين، والتي تُسهم بشكل كبير في إحداث انقسامات بين نسيج المجتمع الواحد وتأجيج الفتن الطائفية، بدعوى إقامة الدين. كما يمكن استخدام غُرف الدردشة ومنصات التواصل الاجتماعي في محتويات تروج لأفكار متطرفة ومعلومات مغلوطة، تُرسخ لأعمال العنف والإرهاب والقتل والتخريب، وادعاء الحق المطلق، لنشر الذعر بين أفراد المجتمع وإثارة الفتنة وزعزعة استقراره، بل ومن الممكن إيصال هذا المجتمع إلى شفا حربٍ أهلية.
ومما سبق، نجد أنّ "منصات التواصل الاجتماعي" قد أصبحت مصدر قلق وخطر يُهدد أمن الدول والمجتمعات واستقرارها، وهدفًا لتحقيق أغراض سياسية أو دينية أو عِرقية، وهو ما يتطلب ضرورة التكاتف بين الدول كافة لوضع وتنفيذ إستراتيجية تحمي الشباب من هذا الخطر الداهم، والتصدّي للحملات الإلكترونية المُوجّهة التي تستهدف في المقام الأول تدمير فِكر الشباب، الذي تُعوّل عليه كل دولة في تقدمها وريادتها. 

الجماعات المتطرّفة والمناورة على الفضاء الإلكتروني

في منتصف فبراير 2018، تنبأ الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" بالقضاء على تنظيم داعش في سوريا، كما أعلن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" بشكل مفاجئ في نهاية ديسمبر من العام ذاته، عن القضاء على تنظيم داعش في سوريا. ولكن يبدو أنّ كلا التصريحين مجازفة، حسبما ذكر المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (IFRI) في دراسة حلل خلالها الباحثان "مارك هيكر"، و"إيلي تينينبوم"، ديناميكيات الحركات المتطرفة، التي بلغت ذروتها في عام 2016، والتي أثبتت أنّ هذه الحركات المتطرفة بعيدة عن الزوال وقادرة على التكيّف.
فقد أوضح الباحثان أنّ "صيحة النصر على داعش سابقة لأوانها إلى حد كبير، فضلًا عن الأوضاع في سوريا والعراق، التي تجذب الانتباه حولها بسبب الهجمات الإرهابية في الغرب، فإنّ الحركات المتطرفة المختلفة قد أظهرت قدرة كبيرة على التكيّف".
وهنا تكمن خطورة التهديد الذي تفرضه الحركات والجماعات المتطرفة والإرهابية، لا سيما فيما تُمارسه من "إرهاب إلكتروني"، حيث تستخدم الجماعات الإرهابية، مثل "داعش" تقنيات تكنولوجية جديدة لإحداث أضرارٍ كبيرة. ولا شك أنّ "الإرهاب الإلكتروني" في ظل ثورة العصر الرقمي وتوفر التمويل يمثل خطرًا داهمًا، علاوة على أنّ الجماعات الإرهابية، بفضل إجادتها استخدام التكنولوجيا الحديثة، يستخدمون هذه التكنولوجيا للدفاع عن قضيتهم، ونشر فكرهم العنيف، وفي تخطيط وتنفيذ أبشع المخططات الإرهابية في شتى بقاع العالم. 
كما أنها أيضًا تعتمد على "القرصنة" التي تلعب دورًا مهما في اختراق شبكات التواصل الاجتماعي، وبث الرعب في نفوس غير المناصرين والمناهضين لأفكار تلك الجماعات، عن طريق استخدام الأنظمة المتطورة لإحداث أكبر قدر ممكن من الضرر، حتى وإن كانت  تفتقر تلك الجماعات الإرهابية إلى الخبرة، إلا إنها تستطيع شرائها من خلال الشبكة الخفية، حيث تتوفر أدوات الإجرام الإلكتروني.
فعلى سبيل المثال، في الوقت الذي انتبهت فيه حكومات كثيرة من العالم إلى خطورة "التطرّف والإرهاب الإلكتروني"، وسعت بدأب للتصدي لتلك الظاهرة، نجد أن قراصنة داعش قد اخترقت العديد من حسابات تويتر غير النشطة لأسابيع أو شهور، أو حتى سنوات،  بهدف مواصلة الدعاية لصالح تنظيم "داعش"، وغالبًا ما تم نشر تغريدات موالية للتنظيم، أو قامت هذه الحسابات بإعادة نشر تغريدات من حسابات أخرى مناصرة لتنظيم "داعش". كما حرص "التنظيم" على إعدادِ برامج إلكترونية تعليمية بالعديدِ من اللغاتِ حولَ كيفيةِ اختيارِ أفضل التطبيقات والبرمجيات المخصصة للمتطرفين أو الباحثين عن التَّطَرُّفِ، وغالبًا ما تكونُ موجَّهَةً للبُلْدانِ التي مَزَّقَتْها الحروبُ أو البُلدانِ النامية، حيثُ تنتشرُ فيها الهواتف الذَّكية على نطاقٍ واسع، على عكس أجهزة الحاسب الآلي.
وفي المقابل قام موقع "تويتر" بإغلاق غالبية هذه الحسابات، ومع ذلك، لا يزال بعض هذه الحسابات نشطة حتى اليوم. علمًا بأن معظم عناوين البريد الإلكتروني التي يديرها المخترقون، عناوين قديمة جدًا بل منتهية الصلاحية وتم إعادة استخدامها لإنشاء حسابات جديدة على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر".
وبشكل عام، فإنّ القراصنة ليسوا في حاجة إلى إنشاء عناوين بريد إلكتروني جديدة، بل يعتمدون على تلك العناوين الخاملة. إضافة إلى أنّ بعض هذه الحسابات كان بها عشرات الآلاف من المشتركين. ولغلق هذه الحسابات العديدة التي تبث موادًّا دعائية لصالح التنظيم، يلزم طلب مساعدة من بعض تطبيقات الرسائل، مثل "هوت ميل" أو "ياهو"، ليتم حذف المزيد من هذه الحسابات. كما هو الحال على موقع "فيسبوك"، حيث يقوم الموقع بانتظام بعملية فرز للحسابات لضمان مصداقية هذه الحسابات.
كما أنه في السنوات الأولى من ظهور موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، لم يكن تأكيد عنوان البريد الإلكتروني موجودًا خلال تدشين حساب على "تويتر"، وهو ما يُسهل عملية اختراق هذه الحسابات، التي من خلالها تُبث رسائل تحمل محتوى يحض على ارتكاب أعمال عنف، وهو ما يدق دائمًا ناقوس الخطر.
وللهرب من سياسات مكافحة "التطرّف الإلكتروني" التي تنتهجها كُبرى المنصات الإلكترونية، من خلال حزمة الإجراءات والخطوات الملموسة للقضاء على المحتوى الإرهابي والمتطرّف على الإنترنت، وعدم استخدام الشبكة العنكبوتية أداةً من قِبل الإرهابيين، نجد أنّ مروِّجو الدعاية الداعشية يهتمون بشكل متزايد بتطبيقات الرسائل الفورية الخاصة بدلًا من المنصات العامة لشبكات التواصل الاجتماعي، مثل تطبيق "روكت شات"  "RocketChat" وتطبيق "ديسكورد Discord، بعد سنوات من استخدام المواقع والصفحات المستضيفة للمنصات العامة لشبكات التواصل الاجتماعي لنشر دعايتها مثل موقع "تمبلر" "Tumblr"،- وهي منصة تدوين اجتماعي تسمح لمستخدميها بالتدوين على شكل نص أو صورة أو ملفات فيديو، أو روابط أو أقوال أو محادثة أو حتى ملفات صوتية، يستطيع مستخدموها متابعة باقي المستخدمين فتظهر تحديثاتهم على حسابتهم الخاصة.
تقول السيدة "ريتا كاتز"، متخصصة في شؤون الإرهاب، وعضو مؤسس في رابطة البحث عن الكيانات الإرهابية الدولية، إنّ "المنصات الرئيسية مثل "فيسبوك" و"تويتر"، و"يوتيوب" و"تيليجرام" أصبحت تستقبل عددًا قليلًا من نشطاء داعش، ولذلك أعاد تنظيم داعش التركيز على تطبيقات المراسلة الخاصة بالشركات، وألعاب الانترنت المباشرة. كما حاول التنظيم تدشين صفحات ثابتة على مواقع "تمبلر" " Tumblr"، و"وردبريس دوت كوم" "Wordrpress.com"، ولكن دون جدوى!!  
مما سبق يتضح أنّ "داعش" يتكيّف مع الأوضاع الراهنة، ومصمم على تواجده باستمرار عبر الشبكة العنكبوتية نظرًا لأهميتها، من خلال خطاب يستهدف التأثير بكافة الوسائل المرئية والمقروءة والمسموعة في عواطف ومشاعر الشباب؛ لأنه الطريق الأكثر فاعلية في الحصول على أدمغتهم، ومن ثم غسلها. 
لذا يجب على كافة مؤسسات الدولة التكاتف من أجل توفير منصات للخطاب البديل يكشف خطورة التطرف، ويقدم بدائل وحلول لمشاكل الشباب، لا سيما الشباب المتخبط والباحث عن حلول عبر الشبكة العنكبوتية، من خلال الاستعانة بمتخصصين على دراية تامة بمشاكل الشباب ولديهم القدرة على التواصل معهم بلغة سهلة ومبسطة. هذه المنصات الإلكترونية والإعلامية يجب أن تعتمد على كافة الوسائل والتقنيات التكنولوجية الحديثة، لترسيخ القيم الإنسانية، وثقافة الحوار والتسامح والاختلاف وقبول الآخر.


وحدة الرصد باللغة الفرنسية
 

الموضوع السابق الإعلان عن نتيجة رحلة مشتى شباب العاملين لمدينة الطور بجنوب سيناء
الموضوع التالي مكافحة شلل الأطفال في مرمى نيران الجماعات المتطرفة
طباعة
614

أخبار متعلقة