مأساة مسلمى الروهينجا

 

لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خير لكم
Mohamed Morsy

لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خير لكم

لا يخفى على أحد المناقشة العلمية التي حدثت في المؤتمر العالمي لتجديد الخطاب الديني؛ حيث أثارت هذه المناقشة التاريخية ضجة إعلامية كبيرة بين مؤيد ومعارض، ومما تجدر الإشارة إليه اعتقاد الكثير أن شيخ الأزهر هو الذي قام بالرد فقط, ولكن الصحيح أن من افتتح الرد هو الاستاذ الدكتور عبد الفتاح العواري عميد كلية أصول الدين بالأزهر الشريف، ثم أعقبه الدكتور حاتم الشريف العوني عضو مجلس الشورى وعضو هيئة التدريس بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى, ثم كان مسك الختام  وعذب الكلام من فضيلة الإمام الهُمام إمام المسلمين شيخ الأزهر الشريف حفظه الله تعالى ورعاه.

غير أني أرى أن ما حدث كله خير، ومن باب " لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خيرٌ لكم":

 فبالنسبة لمن يقولون: كنا نتمنى أن ينتهي المؤتمر دون هذا النقاش.. أقول:

إنَّ هذه المناقشة قد خلّدت المؤتمر في ذاكرة التاريخ، وقد أفاد المؤتمر كثيرًا مما حدث لأمور منها:

  1. الكثير من الناس لايعرفون شيئا عن هذه المؤتمرات _رغم التغطية الإعلامية _حتى المهتم قد لا يعرف التفاصيل إلا إذا حضر,  ولكن بعد هذه المداخلات صار المؤتمر حديث الساعة, بل وتشوق الكل لمعرفة تفاصيل المناقشات وما دار فيها.
  2. كنتُ ممن شرُف بحضور هذا المؤتمر، وقالت لي أستاذة أديبة: "هذا المؤتمر جميل، ولكن تنقصه المناقشات العلمية".. أقول لها نلتِ ما تمنيتِ، فلو كنا أعددنا لمناقشات ما وجدنا أفضل ولا أعظم ولا أبقى أثرًا من هذه المناقشة، خاصةً وأنها كانت مرتجلة وشارك فيها إمامنا الأكبر شيخ الأزهر الشريف حفظه الله.
  3. اعتقاد كثير من العامّة أن هذا المؤتمر وغيره من مؤتمرات التجديد تعني تجديد الدين، لا تجديد الفكر الديني، لكن بعد شهرة هذه المناقشة ومتابعة الناس لها قد دفع هذا الفهم الخاطئ.

4- الهمة العالية والحضور الذهني الرائع لفضيلة الامام الأكبر فعلى الرغم من كبر سنه وعلو مقامه، إلا أنه يدون ملاحظاته في ورقة، ومن يتابع الإمام في أيٍ من لقاءاته يجد هذا أيضا، ومن يراجع الفيديو يشاهد هذا أثناء حديث الدكتور الخشت وغيره.

   غير أن بعض الناس تناول الأمر بشكل آخر فقالوا: إنه إحراج للضيف، والنصيحة على الملأ فضيحة...ووصف فضيلته بالجمود وعدم قبول الرأي الآخر.

وأقول تعقيبًا: إن شيخ الأزهر كان واجبًا عليه في هذا الموقف أن يردّ لأسباب منها :

  أولا: عملًا بالقاعدة الأصولية: "إن تأخير البيان عن وقت الحاجة لايجوز"  فهذا مؤتمرعالمي في قضية خطيرة، وكل كلمة فيه موثقة، وكونه حضر ولم يرد لكان هذا الأمر أخطر؛  فعندنا قاعدة فقهية تقول: "إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما"،  فالمفسدة الكبرى هنا أن يخرج المؤتمر بهذا الكلام على أنه إجماع من الحضور في المؤتمر.

ثانيا: الدكتور الخشت هو من طلب هذا من الحضور : فقال: (أنا هنا بتكلم قدام المشايخ ولو كنت بقول غلط يقولوا)  فإذا لم يتكلم أحد فإن هذا يعدّ إقرارًا وإجماعًا منهم على هذا؛ فكان لابد _ ومن حق كل من اعترض_ أن يبدي رأيه_ وأيضًا_ حتى لا ينسب إليه ما ليس برأيه.

ثالثا: كلام الدكتور الخشت لم يكن كله وجهة نظر فقط  بل كان راويًا لكلام موثق في كتب التاريخ. وهذا أيضًا ما أكد عليه معاليه في قوله : (أنا راوٍ).

أما عن قول الدكتور محمد الخشت ونشره على صفحته الشخصية: فضيلة الإمام ما كنت أريد حجاجا بل كنت أريد حوارا...و _أيضا_ قوله: وأنا أدعو حضرتك وأولادي من الأزهر أن ندع طريقة التفكير (إما معي أو ضدي) ....آرائي نسبية تحتمل الصواب والخطأ مثل آرائك.

أقول :

أولا: بالنسب لفضيلة الإمام الأكبر فلقد ضرب - حفظه الله- أروع الأمثلة في أدب الخلاف وقبول الرأي الآخر، ونرى أن هذا كان واضحا في  كلامه (كالبدء بالتأكيد على العلاقة الطيبة بينهما، وتقديره لذات الدكتور..وأيضا استخدامه عبارة لو لم تكن طلبت التعليق ما علقت، واستخدامه بعض الألفاظ الرقيقة مثل: يا سيدي) وأيضا في أسلوبه ونبرة صوته وانزعاجه من التصفيق، وكان هذا واضحًا على وجهه، وكذلك طلبه السكوت من الحضور).  ولازلنا نتعلم منه قولًا وعملًا، فهو لا يحترم أصحاب المذاهب الإسلامية فحسب، بل دعا إلى التعايش بين أصحاب الديانات المختلفة؛ فهو من أسس بيت العائلة المصري عام 2011 ليضم علماء من المسلمين والمسيحيين والمفكرين، حيث يتناقش الجميع فيما بينهم عما يخصهم ، ولم يكتف بهذا بل جعله عالميًا؛ فقد وقّع فضيلته اتفاقية الأخوّة الإنسانية مع بابا الكنيسة الكاثوليكية2019.

ثانيا: أما عن أبناء الأزهر فجزاك الله خيرا على أسلوب سيادتك الطيب؛ ولكن أذكر حضرتك أننا نحن أبناء الأزهر منذ الصغر ندرس فقه الخلاف وكذلك أصحاب المذاهب والديانات الأخرى، وتعلمنا أن كل مجتهد- بضوابط-  مأجور، وتعلمنا  أيضا  أن يتخصص كل واحد في مذهب يختاره، وهذا ليس معناه أننا لا نقبل غيره، بل معناه أن أي مبتدأ لابد وأن يبتد أ بمذهب ويدرس معه الفقه المقارن؛ حيث لا نكتفي بالمذاهب الأربعة بل ندرس ثمانية مذاهب وهي: (حنفي مالكي، وشافعي، وحنبلي،وظاهري، وشيعي، وزيدي، وشيعي وإمامي، وإباضية) وكل مذهب منها به خلاف داخلي،  فقد ندرس للمسألة الواحدة عشرين قولا.

وفي الفتاوى لا نأخذ بمذهب واحد ولا نفتي أيضًا بمذهب واحد؛ بل نجد أن فضيلة الإمام ولجنة الفتوى بالأزهر الشريف ينتقون من بين المذاهب؛ فنأخذ بقول الشافعية في مسألة والحنفية في أخرى..إلخ

أما عن قول الدكتور الخشت: التجديد ليس حكرًا على الأزهر أو مؤسسة بعينها فأقول لمعاليك:  ما كان هذا أبدا منهج الأزهر أو شيخه، وأدل دليل على هذا هو ذاك المؤتمر الذي ضم في اللجنة المتحدثة العديد من العلماء من جميع أنحاء العالم؛  رغم اختلاف مناهجهم ومذاهبهم، وحضرتك كنت من المتحدثين ،  فلولم يكن الأزهر يؤمن بالتجديد إلا من خلال مؤسسته لكان بإمكانه دعوة المشاركين في المؤتمر للسماع فقط؛ ولكان المتحدثون هم أبناء الأزهر فقط ..

وهناك من اتهم فضيلته فقال: إن فضيلة الإمام قد انتصر لمذهبه الأشعري، وأقول: إن فضيلة الإمام لم ينتصر لمذهبه ؛ بل صحح خطئًا للدكتور الخشت الذي قال: " إن الأشعري يعتمد على أحاديث الآحاد، ثم أردف : والمشايخ كلهم أمامي لو عندي غلط يقولوا، فأنا راوٍ...)

فردعليه فضيلة الإمام مصوبا:

(إن الأشعرية والماتريدية أو حتى المعتزلة ما بنوا عقائدهم إلا على الأحاديث النبوية المتواترة، وليس الآحاد كما ذكرت حضرتك) ومعلوم أن فضيلة الإمام أشعري ،  فكيف يزعمون أنه متعصب لمذهبه وقد دافع عن ثلاثة مذاهب؟!! ومن هنا يتضح أن فضيلته يصحح خطئًا كبيرًا.

ولا يعتبر الأمر مهولًا حيث كان بين الوالد وولده، وهكذا يعدّ شيخ  الأزهر والدا بالنسبة لغيره وبالنسبة لنا جميعا، والمناقشة علمية بحتة ليس المقصود منها إهانة أو تجريحًا كما صورها بعضهم. فما حدث للدكتور ليس إهانة ؛ بل هو تشريف أن يكون المحاور فضيلة الإمام الأكبر...

 وأتساءل: ماذا لو انتهى المؤتمرعلى هذا النحو ثم جاء من هو خارج المؤتمر ليرد ويعقب؟ ألا يعد هذا عيبًا في حق المؤتمر وفي حق السادة العلماء الأجلاء المشاركين كلهم، وعلى رأسهم فضيلة الإمام؟

زعموا أيضًا أن فضيلة الإمام الأكبر قال لمعالى الدكتور: " لا تجدد في الدين وإذا أردت أن تجدد فجدد في بيت والدك"  وهذا افتراء،  فالعكس هو الصحيح، حيث قال الدكتور واصفا للتجديد ما نصه: " بيت والدي لا أسكن فيه لم يعد مناسبًا" ،  فرد عليه فضيلة الإمام بالنص: " كون أني أترك بيت والدي فهذا ترك وإهمال وليس تجديدًا لكن لا أخرج من البيت، بل أعيش فيه وأجدد فيه كنوع الطوب أو لونه".

وهناك من قال : إن فضيلة الإمام يستعرض قدراته، وأنه قد حوّل الأمر إلى معركة لصالحه.

أولًا: لا يحتاج فضيلته - حفظه الله- إلى مناقشة أو مؤتمر حتى يثبت أنه على قدر أو قدم وساق ثابتين، فلا يخفى على أحد أن مقامه وقدره أرفع وأجلّ من هذا.

ثانيًا: جاء ردّ فضيلة الإمام استجابة لطلب الدكتور الخشت نفسه؛ حيث بدأ فضيلة الإمام كلمته فقال ما نصه: " هذه بعض الملاحظات كما طلبت بنفسك، " إنه لو غلط أجيبوا، ولو لم تكن طلبتَ ما أجبتُ"، هذا بخلاف التذكير بالعلاقة الطيبة القديمة بين الدكتور الخشت وفضيلته، وكذلك الهدوء في الردود، مع استخدام الألفاظ الطيبة مثل : (يا سيدي)، فكأنه يقطع الطريق على من يحاول أن ينفخ في نار الفتنة، ويحوّل النقاش العلمي إلى ساحة قتال فيها منتصر ومهزوم.

ثالثا: كان فضيلته منزعجًا من كثرة التصفيق، وأشار بيده للمصفقين لكي يسكتوا. 

ومما يحزن ويؤلم استخدام بعض الناس لألفاظ لا تليق بالمقام مثل :(كانت معركة)(كان قصف جبهة)(دا لجمه)، (أفحمه)..الخ، وهذا شيء لم يرضه الشيخ ، ولم يرضه أي عالم أو متعلم؛ فكلنا درسنا أدب الحوار والاختلاف ، كما أني أضم صوتي شخصيا  مع من قال: إن التصفيق أضر بالمناقشة.

ومنذ بدأ التاريخ إلى وقتنا هذا لازال العلماء يختلفون ويتناقشون ويعذر بعضهم بعضا .

حفظ الله الأزهر منارةً للإسلام والمسلمين، وكعبةً للعلم والوسطية.

منى عاشور إبراهيم، منطقة وعظ الجيزة

الموضوع السابق الأزهر يشارك في الاحتفال بالذكرى الأولى لوثيقة الأخوة الإنسانية
الموضوع التالي المحكمة الجنائية الدولية تبدأ إجراءات التحقيق في الجرائم المرتكبة ضد الروهينجا
طباعة
3439

أخبار متعلقة