مأساة مسلمى الروهينجا

 

مؤتمر بيت العائلة المصرية.. رسائل ومضامين قيمة
Sameh Eledwy
/ الأبواب: قضايا أخرى

مؤتمر بيت العائلة المصرية.. رسائل ومضامين قيمة

لقد كان مؤتمر بيت العائلة المصرية الذي انعقد في نوفمبر ٢٠٢١م بمناسبة مرور عشرة أعوام على تأسيسه أحد محاولات الأزهر لإرساء قيم السلام حول العالم، وترسيخ الوطنية وتعزيز أسس التعايش الإيجابي في المجتمع المصري.
وخلال المؤتمر تم إلقاء الضوء على عدد من القضايا مثل: الانتماء الوطني ونبذ العنف وتقبل الاختلاف والإقرار بأن التنوع حقيقة كونية وضرورة حياتية باقية بقاء النوع الإنساني، وموقف الأزهر الحاسم من تلك الفكرة الداعية لدمج الأديان السماوية الثلاثة (اليهودية والمسيحية والإسلام) تحت مظلة دين واحد يسمى بالدين الإبراهيمي. وفي هذا المقال نتناول أبرز تلك الرسائل التي حملتها لنا كلمة فضيلة الإمام بصورة مفصلة.
رسائل الإمام من المؤتمر
وجه فضيلة الإمام خلال كلمته في هذا المؤتمر عددًا من الرسائل الحاسمة والبناءة، التي تكمن أهميتها في تزامنها مع ما يشهده العالم اليوم من صراعات حاول البعض إلباسها ثوب الدين، ومع ما يُبث من دعوات تنادي بإسقاط الفوارق الجوهرية بين الأديان وإدماجها جميعًا في دين واحد يعتنقه البشر كافة يدو هذا المقال حول عدد من الرسائل:
الرسالة الأولى:
- التأكيد على ترابط أبناء الوطن واتحادهم على مر العصور
حيث تحدث فضيلته على أن حب الوطن وحمايته من الفتن كانت السبب الرئيس في تأسيس بيت العائلة المصرية؛ فما إن حدث ذلك التفجير الإرهابي الذي استهدف كنيسة "سيدة النجاة" في العاصمة العراقية "بغداد"، والذي أودى بحياة عشرات الأبرياء وجرح عددًا آخر، ووقع بعده الهجوم الإرهابي على "كنيسة القديسين" بمصر؛ حتى رأى فضيلة الإمام أن هناك خطرًا داهمًا يستهدف النيل من وحدة الأمة العربية، فأراد تأسيس بيت العائلة المصرية ليكون أبلغ رد على دعاة الفتن الطائفية. وتسمية المؤتمر بهذا الاسم يحمل في طياته ما يحمل من معاني الألفة والمحبة والأخوة، فهو كبيت العائلة الذي يجتمع فيه أبناؤه على المحبة والتسامح تظللهم سماء واحدة وتقلهم أرض واحدة. فعرض الفكرة على البابا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية، والذي رحب بها ترحيبًا واسعًا، ورأيا ضرورة التدخل الفوري والوقوف في وجه تلك الفتن التي تحيط بالبلاد، وإجهاضها ووأدها في مهدها، وإحباط تلك المخططات الشيطانية التي تهدف لتمزيق وحدة الأمة. ونزل الخبر بتأسيس بيت العائلة بردًا وسلامًا على قلوب محبي السلام في العالم.
وقد استحضر فضيلته موقفًا مشابهًا قام فيه علماء الأزهر والكنيسة بإحباط الدسائس والمؤامرات الاستعمارية في القرن الماضي، وذلك عندما حاولت بعض الجهات إشعال فتيل الفتنة الطائفية في مصر؛ إلا إن المصريين انتبهوا لها وكانوا أكثر وعيًا ويقظة، فلم يشرَبوا العسل المسموم، ولم يتركوا لهؤلاء الفرصة ليعيثوا في الأرض فسادًا؛ بل وقفوا وقفة رجل واحد مدافعين عن وطنهم أمام من حاول تفتيت وحدتهم وتمزيق أواصر أخوتهم؛ فوقف القسيس على منبر المسجد، حيث اعتلى القمص سرجيوس منبر الجامع الأزهر، وفتحت كنائس الأقباط أبوابها أمام علماء الدين المسلمين وكان على رأسهم شيوخٌ كبارٌ مثل: الشيخ مصطفى القاياتي، والشيخ محمود أبو العيون، والشيخ عبد ربه مفتاح، والشيخ محمد عبد اللطيف دراز، والشيخ علي سرور الزنكلوني. وشيعت جنائزهم دون تفريقٍ، في إشارة إلى اجتماع المسلمين والمسيحيين على كلمة واحدة ألا وهي حب مصر.
ثم ذكر فضيلته ذاك البيت الشعري الذي نظمه الشيخ "إبراهيم سليمان"، وكان يردده الشباب المسلمين والمسيحين معًا حال رؤيتهم لعلماء الأزهر والقساوسة: "الشيخ والقسيس قسيسان .. وإن شئت فقل شيخان". (أحمد حسن الزيات، كتاب مجلة الرسالة، ج254، عدد 778، ص 15، 1948م)
وهذا يشبه ما أورده المستشار/ محمد عبد السلام، الأمين العام للجنة العليا للأخوة الإنسانية، في كتابه (الإمام والبابا والطريق الصعب) حيث ذكر أن بعض المسيحيين حينما يلتقوا بفضيلته يقولون له: (إن فضيلتك رمز وأب لكل المصريين، وليس المسلمين فقط) (الإمام والبابا، ص37).
ويذكرنا هذا بالتحام المصريين وتماسك كافة طوائف الشعب في حرب أكتوبر المجيدة ١٩٧٣م، وهو لخير دليل على أنه لا يمكن النيل من وحدتهم، وقد قدم الأزهر والكنيسة دورًا وطنيًا لا ينسى في دعم الجنود المصريين بما غرسوه في نفوسهم من إعلاء قيم حب الوطن والحفاظ على روح الأخوة والحرص على استرداد كل ذرة من ترابه.
كما حرصت الدولة المصرية على تقوية النسيج الاجتماعي المصري، وإعلاء قيم التسامح الديني عندما أقدمت على بناء أكبر مسجد وكنيسة في الشرق الأوسط عام 2019م، وخلال الافتتاح قال فضيلة الإمام كلمته الخالدة، التي تجمع ولا تفرق: "الكاتدرائية ستقف بجانب المسجد يتصديان لكل محاولات العبث بالاستقرار في مصر، والتصدي للفتن الطائفية، إذا كان الشرع كلّف المسلمين بحماية المساجد فتسير عليه حماية الكنائس".
وهي كلمات قوية من فضيلته تُظهر الصورة الصحيحة لسماحة الإسلام، ويؤكد فيها على رفض الأزهر لتلك الممارسات التي يفعلها المتطرفون من قتال غير المسلمين واستباحة دمائهم واستهداف أماكن عبادتهم بدعوى اختلافهم في الدين. بل إن فضيلته قد صرح من قبل بأن من ينشرون العنف باسم الدين هم كاذبون وخائنون لأديانهم. وقد حرص رسولنا الكريم على تعليم أصحابه مبدأ التعايش مع الآخر وتقبل الاختلاف، إذ لا يمكن صلاح الأوطان وبناء المجتمعات دون تسامح وتماسك، وحرص على مصلحة هذا الوطن التي تبقى هدفًا مشتركًا بين المواطنين حتى وإن اختلفت دياناتهم، ونبذ التعصب على أساس ديني أو عرقي، فعندما حاول البعض إشعال نار الفتنة بين الأوس والخزرج في صدر الإسلام قال صلى الله عليه وسلم: (دعوها فإنها منتنة). ثم أنهى صلى الله عليه وسلم هذا الخصام الذي كاد أن يقسم المجتمع، فرجع المتخاصمان أخوين متحابين (محمد الطيب النجار، القول المبين في سيرة سيد المرسلين، دار الندوة الجديدة بيروت – لبنان، ص299). فالصراعات العرقية والطائفية من شأنها أن تحرق الأخضر واليابس وتدمر الشعور بالانتماء للوطن، ومن ثم تهلك المجتمعات.
الرسالة الثانية:
- رفض فكرة الدين الإبراهيمي
والرسالة الثانية التي وجهها فضيلته هو التفريق بين تآخي الديانتين الإسلام والمسيحية ودفاعهما عن الحق في العيش في أمان واستقرار وبين ذوبان الديانتين ومعهما الديانة اليهودية بذوبان الفوارق الجوهرية بينهم وتحولهم إلى دين واحد يفرض على الناس اتِّبَاعه تحت مسمى (الدين الإبراهيمي)؛ بدعوى تخليص العالم من الصراعات على أساس الدين كما يزعم دعاة هذا الدين المختلق وداعموه، مبررين ذلك بأن الأديان هي سبب الحروب والمشكلات والنزاعات القائمة، وأن جميع الحروب عبر التاريخ وما ترتب عليها من الإيقاع بآلاف الضحايا كانت لأسباب دينية؛ ومن ثم أخذوا في الترويج لتلك الديانة التي من وجهة نظرهم تحقق الأخوة الإنسانية. وهذا يقودنا إلى سؤال مهم، هل حقًّا كانت الأديان سببًا للنزاع والحروب عبر التاريخ كما يدعي البعض؟!
من المؤكد أن هذا القول مجافٍ ومنافٍ للحقيقة، إذ إن الأديان التي نزلت رحمة للعباد، ودعت للمحبة والتعاون والتكاتف لرفعة البلاد لم تكن يومًا سببًا في الحروب والنزاعات الطائفية والعرقية التي أثيرت عبر الأزمان، بل كانت الأطماع الاستعمارية والأهداف التوسعية والاقتصادية هي السبب في اندلاع تلك الحروب.
وقد نشر موقع "الشرق الأوسط" دراسة قام بها "د. محمد عبدالستار البدري"، (سفير مصر السابق في روسيا) ذكر فيها أنه وجد في الدراسة العملية لعالِم العلاقات الدولية الكندي "كاليفي هولستي" ما يؤكد أن الحروب التي قامت خلال الفترة من عام 1648م وحتى 1989م لم يكن للدين أي دور فيها بل كان الهدف من ورائها نشر النفوذ، والتوسع في الأرض، والسيطرة على الطرق التجارية، إلى غير ذلك من الأسباب السياسية والاقتصادية.(موقع "الشرق الأوسط" بتاريخ: 26 ديسمبر 2015م).
وهناك تقرير، أيضًا صدر عن أحد المنظمات البحثية العالمية وهي معهد "الاقتصاد والسلام"، عام 2014م، قد أكد على أن 35 من النزاعات المسلحة التي وقعت في عام 2013م لم تكن لأسباب دينية ولم يكن للدين دخل بها بل كانت تتعلق بخلافات أيديولوجية أو لتحقيق أغراض سياسية ومصالح اقتصادية. وأضاف التقرير أن المجتمعات التي حظيت بارتفاع عدد المتدينين بها كانت الأكثر استقرارًا مما عداها (موقع مركز "المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة" بتاريخ: 22 ديسمبر 2014).
وبذلك، فالأديان التي حبست في قفص الاتهام، لم تحض مطلقًا على الاقتتال والحروب حتى يتم اقتلاعها وابتكار دين جديد يُجبر الكل على اعتناقه بل كما قال فضيلة الإمام: "وإن كانت تبدو في ظاهر أمرها كأنها دعوى إلى الاجتماع الإنساني وتوحيده والقضاء على أسباب نزاعاته وصراعاته إلَّا إنها، هي نفسها، دعوة إلى مُصادرة أغلى ما يمتلكُه بنو الإنسانِ وهو: حرية الاعتقاد وحرية الإيمان".
فالأديان يمكنها التعايش دون أن تمزج جميعها في دين واحد، فعلى سبيل المثال تعد وثيقة الأخوة الإنسانية مثالًا حيًّا وتجربةً ناجحةً على تآلف الديانتين المسيحية والإسلام ممثلتين في شيخ الأزهر، والبابا فرنسيس. فالعقائد تحوي قواسم ومشتركات كفيلة بتحقيق السلام وإيجاد الخير ونشر المحبة بين البشرية جمعاء.
وقد أشاد الكثير من العلماء والسياسيين بتحذير فضيلته من الانسياق خلف تلك الدعوات الباطلة، واعتبروها جرس إنذار ينبئ عن خطر تلك الأفكار وقد أعربوا عن تقديرهم لجهود الأزهر وما يقوم به من دور فعال لمواجهتها والتصدي لكل محاولات مصادرة الأديان والتعددية الدينية وحرية الاعتقاد (موقع "أخبار اليوم" بتاريخ 17 نوفمبر 2021م).
جدير بالذكر أن الرفض لهذا الدين لم يكن من جانب الأزهر فقط، بل أعلنت ذلك قيادات الكنسية المصرية، إضافة إلى بعض المفكرين والسياسيين، حيث رفضوا تلك الديانة مثل القمص بنيامين المحرقي، الأستاذ بالكلية الإكليريكية بالأنبا رويس، الذي رآها دعوة مسيسة تحت مظهر مخادع واستغلال الدين. (موقع "الوطن نيوز "بتاريخ: 8 نوفمبر 2021م)
الرسالة الثالثة:
- التأكيد على أن الاختلاف سنة ربانية
هنا يؤكد فضيلته على أن الاختلاف سنة ربانية ويستحيل جمع الخلق كلهم على دين واحد أو فكر واحد فهذا بالطبع مخالف للفطرة التي فطر الله الناس عليها وأنه لو شاء الله تعالى أن يخلقهم على مِلَّةٍ واحدة أو لونٍ واحد أو لغةٍ واحدة أو إدراك واحد لفعَل، لكنه -تعالى- لم يشأ ذلك، وشاء اختلافَهم وتوزعهم على أديان ولغات وألوان وأجناس شتى لا تُعد ولا تُحصى.
وفي النهاية يجدر القول إلى أن فضيلة الإمام في كلمته بمؤتمر بيت العائلة المصرية قد عالج عدد من القضايا التي شغلت البعض خلال الآونة الماضية، بالإضافة إلى تأكيد فضيلته بأن اختلاق فكرة دين جديد ودعوة الناس لاتباعه وفرضه عليهم يتناقض مع أسمى ما يمتلكه الإنسان ألا وهو حرية الاعتقاد.
كما أن الأديان جاءت لرحمة العباد لا لشقائهم، لكن طائفة من الناس أساءوا فهم النصوص وأولوها تأويلًا خاطئًا فراحوا يسفكون الدماء ويقتلون الأبرياء باسم الدين، والدين منهم براء.
كما يجب أن لا ينخدع الناس بالشعارات البراقة والمخادعة والتي تدعوا في ظاهرها للسلام بينما تخدم في حقيقتها أهداف وأجندات خارجية لم يكن ليقبل بها الأزهر بحال من الأحوال.
وبهذا سيظل الأزهر الشريف حائط الصد المنيع الذي ترتكز عليه الأمتين العربية والإسلامية أمام أية محاولة لهدم الثوابت والمعتقدات الصحيحة الراسخة.

وحدة الرصد باللغة الفارسية

الموضوع السابق العدد 1152
الموضوع التالي رئيس الوزراء ووزيرة الثقافة يتفقدان جناح الأزهر بمعرض القاهرة الدولي للكتاب
طباعة
594

أخبار متعلقة