مأساة مسلمى الروهينجا

 

تاريخ تراجم معاني "القرآن الكريم" إلى اللغة الصينية - 1
Sameh Eledwy
/ الأبواب: قضايا أخرى

تاريخ تراجم معاني "القرآن الكريم" إلى اللغة الصينية - 1

(1)


المقدمة

بعد أن منَّ الله تعالى على العرب وشرَّفهم بحمل رسالة الإسلام إلى البشرية كلها، انطلقوا في مختلف الأقطار والأمم؛ لنشر تلك الرسالة التي كلفهم بها رب العالمين، فدخل الناس في دين الله أفواجًا، ومع هذا الانتشار الواسع لرسالة الإسلام في كل أرجاء الدنيا رُغم اختلاف لسان كل قُطر عن لسان حَمَلة هذه الرسالة السامية، بات من الصعب بمكان على المسلمين الجُدد والذين لا يتحدثون اللغة العربية فهم معاني "القرآن الكريم"؛ الأمر الذي جعل بعضًا من حديثي العهد بالإسلام يقبلون على تعلم اللغة العربية ليتمكنوا من فَهم آيات "القرآن الكريم"، ثم ما لبثوا أن بدأوا بترجمة معانيها إلى لغاتهم الأم، حتى يتسنى لأهل كل لغة فهم آيات "القرآن الكريم" فهمًا صحيحًا، ومن بين هذه البلدان التي دخلها الإسلام في القرن الأول الهجري كانت دولة "الصين"، تلك الجمهورية التي تقع في شرق قارة آسيا وبها أكبر تجمع سكاني في العالم.
لقد حظي انتشار الإسلام في الصين باهتمام الكثير من المؤرخين؛ حيث تتمتع الصين بالتنوع الديموغرافي والاتساع الشديد في المساحة، إذ تغلغل الإسلام بسهولة إلى قلوب الصينيين وعلى فترات طويلة، فطريق التجارة الشهير والمعروف بـ "طريق الحرير" كان سببًا وراء إثراء معارف المسلمين عن الصين، فقد وصلوا إليها تُجارًا قبل أن يصلوها بالإسلام فاتحين، وبعد تعرف الصينيين على الإسلام واجه المسلمون الأوائل على هذه الأرض مشكلة عدم فَهم نصوص "القرآن الكريم"؛ حيث إنهم لا يعرفون اللغة العربية لغة "القرآن الكريم"، فأصبحت الحاجة ماسة إلى وجود تراجم لمعاني آيات "القرآن الكريم" باللغة الصينية، لكن لم يكن الأمر سهلًا في بدايته؛ فقد مرت هذه التراجم بعدة مراحل، تمثلت هذه المراحل في: بداية دخول الإسلام، وتراجم الآيات، والتراجم الصوتية، والتراجم الكاملة لسور"القرآن الكريم".


1)    بداية دخول الإسلام:

في بداية دخول الإسلام الصين كان المسلمون الصينيون يعتمدون في فهم أمور دينهم على الشروح الشفوية في المساجد وداخل بيوتهم، وظهر في ذلك الوقت جيلٌ يقرأ القرآن الكريم بمهارة ولا يفهم معانيه، ولم يعمل أحد من المسلمين الصينين على ترجمة معاني "القرآن الكريم" إلى اللغة الصينية، ولم تتواجد سوى تراجم وتفاسير لبعض الآيات، ولم تختلف الصين عن كثير من الحضارات التي لم تعمل على ترجمة القرآن كاملًا.
أما عن أسباب تأخر ظهور ترجمة كاملة لمعاني "القرآن الكريم" في العصور الأولى للإسلام خصوصا في الصين، فإن ذلك يعود إلى سببين:
الأول: أن العلماء والدعاة للإسلام في ذلك الوقت لم يُجيدوا تعلم اللغة العربية بشكل قوي، واكتفوا بالثقافة الإسلامية الواردة إليهم، كما أن عدد المسلمين لم يكن كبيرًا للدرجة التي تجعل الحاجة ماسة لحركة ترجمة كبيرة.
الثاني: أن "القرآن الكريم" نزل باللغة العربية، وهي لغة واسعة المعاني، فخشي المسلمون الصينيون إنْ ترجموا معانيه إلى اللغة الصينية أنْ يُضيعوا كثيرًا من معانيه. 
كما كان للبُعد المكاني بين الصين والحواضر الإسلامية أثرٌ كبير في نقل العلوم الإسلامية كافة إلى الصين، فبالرغم من جهود العلماء المسلمين الصينيين، فإن الترجمات الإسلامية كانت مقصورة على العبادات والعقائد الإسلامية، ولم تتناول آيات "القرآن الكريم".


2)    مرحلة تراجم الآيات:

تميزت فترة أسرتي "مِينْغ Míng  وتْشِينْغ Qing " (1368- 1911)، بظهور تراجم لمعاني بعض آيات "القرآن الكريم"، وذلك بعد أن أصبح المسلمون قوة كبيرة داخل المجتمع الصيني، وازدادت أعدادهم، وأصبحوا جزءًا من الثقافة الصينية، وخاصة بعد تكوين قومية "هِوي" المسلمة، والتي ولدت من داخل المجتمع الصيني وتتحدث "اللغة الصينية"، فبدأت تراجم بعض الآيات داخل الكتب الدينية التي تتناول أحكام الشريعة والتاريخ الإسلامي؛ للاستشهاد بتلك الآيات في مواضعها، لكن بالرغم من ذلك لم توجد نسخة مترجمة بالكامل لمعاني القرآن الكريم.
ومُنذ بداية القرن السابع عشر إلى النصف الأول من القرن الثامن عشر، قام بعض علماء المسلمين ممن يُجيدون اللغتين الصينية والعربية في بداية عهد أسرة "تْشِينْغ" بترجمة آيات من "القرآن الكريم" والإشارة إليها في ترجماتهم الصينية، وظهرت الترجمة الصينية بشكل مُجزأ، حيث كان المترجمون حذرون للغاية، ويخشون أن تُستخدم كلمات خاطئة في ترجماتهم، واقتصرت هذه المرحلة على الاستدلال بمعاني الآيات باللغة الصينية. ظهر ذلك جليًّا مع وصايا بعض العلماء المسلمين الصينيين الذين لهم باع كبير في نشر الثقافة الإسلامية في الصين، من هؤلاء العلماء: "وانغ دايو  Wángdàiyù"، و"ما تشو mǎ zhù"، و"ليو تشي liú zhì"، وهؤلاء لهم الفضل في ترجمة كثير من آيات القرآن الكريم، لكنهم في النهاية عبَّروا عن عجزهم ومخاوفهم من الترجمة الكاملة للقرآن الكريم قائلين: "إن القرآن الكريم يتميز بالقوة ولا يمكن استخدام لغة أخرى تستطيع أن تضاهيه مهما كانت بلاغتها، ومن الصعب إيجاد ما يضاهي النص في اللغة الصينية، وقد بذلنا قصارى جهدنا في ترجمة بعض الآيات راجين أن تنال رضاكم" ( وانغ لينغ جوي: "تاريخ الإسلام في الصين"، مطبعة الأصدقاء ببكين الصين 2010، ص 218).


3)    مرحلة التراجم الصوتية:

كان المسلمون الصينيون في بداية عهدهم مع الإسلام يعتزون بالثقافة العربية لغة القرآن، فلم ينفتحوا على الثقافات الأخرى بما يكفي، واكتفوا بما وصل إليهم من العلوم الإسلامية بواسطة التجار المسلمين الذين جاءوا إلى الصين من بلاد العرب وبلاد فارس وبلاد آسيا الوسطى، إلى أنْ أدركوا أهمية لغتهم الأم مع دراسة اللغة العربية والعلوم الإسلامية، وأن هذا الفكر سيقود الدعوة الإسلامية إلى التطور والازدهار داخل الصين.
ومع مطلع النصف الثاني من القرن الثامن عشر وحتى نهاية القرن التاسع عشر، انتشر على نطاق واسع كتاب سمَّاه المسلمون الصينيون بـ"ختم القرآن الكريم"، احتوى هذا الكتاب على بعض السور القصيرة وبعض الآيات، ولم يتم ترجمة هذا الكتاب إلى الصينية، ولكن كُتبت ألفاظه بالنطق الصيني؛ حتى يتسنى للمسلمين الصينيين قراءته، وهذه الترجمة سُميت "الترجمة الصوتية"، حيث يتم توضيح القراءة للمسلمين الصينيين الذين لا يفهمون اللغة العربية وفقًا للنسخ الصوتي الصيني، وفي هذه الفترة ظهرت كتب عديدة مترجمة باللغة الصينية القديمة، مثل: كتاب "الختم باللغة العربية والصينية"، وكتاب "الحق النفيس"، و"متخير القرآن الكريم"، ولقد أسهمت هذه الكتب في تطور ترجمة معاني "القرآن الكريم" إلى اللغة الصينية.


4)    مرحلة التراجم الكاملة:

مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهرت نُسخ عديدة من الترجمة الكاملة لمعاني "القرآن الكريم"، حيث بدأ السيد "ما فو تشو mafuchu" (1794-1874) بترجمة معاني "القرآن الكريم" وفقًا لترتيب السور، وبلغت ترجمته (20) مجلدًا، لكن مع مرور الزمن لم يتبقَ من كل هذه المجلدات إلا أول خمسة مجلدات فقط تم طبعها ونشرها، وأُطلق عليها "الشرح المباشر لكتاب الحق النفيس"، كما تُرجمت الأجزاء الثلاثة الأولى من "القرآن الكريم" وتم نشرها في إحدى المجلات المحلية بمدينة "شانْغهاي"، وبالرغم من أن هذه النسخ لم تنتشر على نطاق واسع بين المسلمين الصينيين، فإنه كان لها مردود إيجابي في تطور هذه المرحلة.
ولم تقتصر ترجمة معاني "القرآن الكريم" على المسلمين الصينيين فقط، بل كانت هناك محاولات عديدة لترجمة معانيه من الصينيين غير المسلمين، ومن أشهر هذه المحاولات؛ الترجمة التي قام بها السيد "لِي تِيَه تْشِينْغ litiezheng"، وصدرت في "بكين" عام 1927م، وقد اعتمد غير المسلمين في ترجماتهم على تراجم مأخوذة من لغات غير اللغة العربية، فقد أُخذت من اللغة الإنجليزية، مثل: ترجمة السيد "تونغ داو جَانْغطtong daozhang ".
لكن مثل هذه الترجمات كانت تحتوي بين طياتها على الكثير من الأخطاء؛ بسبب عدم قدرة هؤلاء المترجمين على فهم النص العربي، كما أن المترجمين غير المسلمين ليس لديهم المعارف الإسلامية التي تُعينهم على معرفة معاني وأسباب نزول آيات "القرآن الكريم"، ما جعل هذه الترجمات محدودة الانتشار بين المسلمين الصينين.


5)    العوامل التي أدت إلى ظهور حركات ترجمة معاني "القرآن الكريم":

مع أوائل عهد الجمهورية الصينية الشعبية (1911م- ١٩٤٩م)، ظهرت المدارس والمراكز التابعة للمساجد في معظم أنحاء الصين، والتي كانت تُدرَّس بها جميع المواد الدراسية باللغتين الصينية والعربية، كما بدأ المسلمون الصينيون في إرسال أبنائهم إلى الدول العربية وخاصة إلى "جامعة الأزهر" بمصر، لدراسة العلوم الشرعية، وبعد إنهاء دراستهم وعودتهم إلى الصين ساهم هؤلاء في تطوير اللغة العربية لدى أبناء المسلمين الصينيين، كما كثُرت ترجمة الكتب الإسلامية العربية إلى اللغة الصينية، مما مهد الطريق لأصحاب هذه البعثات لترجمة معاني "القرآن الكريم" إلى اللغة الصينية.
وكان ممن له دورٌ كبير في ظهور التعليم الإسلامي الحديث، وترجمة معاني "القرآن الكريم" إلى اللغة الصينية، ونقطة تحوّل كبيرة في فِكر المسلمين الصينيين السيد/ محمد عبد الله إلياس "هو دنغ تشو Hu dengzhou" الذي لقّبه المسلمون الصينيون "المعلم الإسلامي الكبير"، فقد درس الكونفوشيوسية منذ صِغره، وتعلم اللغة العربية والفارسية، وأجاد الفلسفة الإسلامية والفقه الحنفي، ويُعد المؤسس الأول للنظام التعليمي التقليدي الذي جمع بين أساليب التعليم التقليدي الإسلامي وأساليب تعليم كونفوشيوس الصينية، وأصبح هذا الأسلوب التعليمي نظامًا متكاملًا لتعليم الإسلام في الصين، واستفاد منه المسلون كثيرًا، وتخرَّج على يديه الكثير من علماء الدين والمؤهلين للترجمة والتأليف.

وحدة الرصد باللغة الصينية

الموضوع السابق شيخ الأزهر يعزي البابا تواضروس والإخوة المسيحيين والمصريين في ضحايا حريق كنيسة أبو سيفين
الموضوع التالي الضويني يزور مصابي كنيسة الجيزة على رأس وفد من قيادات الأزهر
طباعة
266

أخبار متعلقة