مأساة مسلمى الروهينجا

 

مدن صينية عرفت الإسلام.. مقاطعة قانسو(١)
Sameh Eledwy

مدن صينية عرفت الإسلام.. مقاطعة قانسو(١)

في سلسلة تقدمها وحدة اللغة الصينية بمرصد الأزهر حول أشهر المدن الإسلامية في الصين، والدور الذي تقوم به تلك المدن في تعزيز التواجد الإسلامي، وازدهار الثقافة الإسلامية داخل الصين، تبدأ أولى حلقات تلك السلسلة بواحدة من أهم المقاطعات الإسلامية في الصين وهي مقاطعة "قانسو".

عرفت الصين الإسلام مُنذ القرن الأول الهجري، ومنذ ذلك الوقت بدأ المد السكاني للمسلمين في الصين، فبعد أن كانوا لا يتجاوزون عدد الرسل المبعوثة إلى الإمبراطور، صارت لهم قرى ومدن ضخمة في ربوع الصين، تلك الدولة التي يفوق عدد سكانها حاليًا المليار وثلاثَ مِائة مليونِ نسمة، وبها (56) قومية، من بينهم (10) قوميات تعتنق الإسلام، أكبرهم قومية "الهوي" التي تُعد ثاني أكبر قومية صينية بعد قومية "الهان"، وحسب الإحصائيات الرسمية، فإن عدد مسلمي الصين يتجاوز (20) مليون مسلم يسكنون مدنًا وأقاليم صينية، تظهر فيها معالم الإسلام واضحة، حيثُ أغلب سكانها من المسلمين، وكان لتعاقب الأسر الحاكمة دور كبير في التشكيل الديموغرافي لتلك المدن، التي أصبح المسلمون فيما بعد عنصرًا رئيسًا في بنائها، وجزءًا من حضارتها الصينية، ومن خلال سلسلة المقالات التي يعرضها مرصد الأزهر، عن مسلمي الصين وتاريخهم وإسهاماتهم داخل الصين، يأتي الدور على تسليط الضوء على المدن والمقاطعات الصينية، التي يسكنها المسلمون ويمثلون فيها أغلبيةً سكانية.

 

مقاطعة قانسو Gansu

تقع مقاطعة "قانسو" في شمال وسط الصين، وهى أحد أشهر مدن الصين التاريخية، وليس ذلك لوجودها بوصفها مركز تجمع لمسلمي الصين فحسب، بل للثقل الثقافي والتاريخي الذي تتمتع به مدن تلك المقاطعة، والتي تبلغ (١٢) مدينة، ومنطقتين إداريتين قوميتين ذاتيتي الحكم، و(٨٦) مركزا، ويبلغ تعداد سكانها (26) مليون نسمة، وعاصمة المقاطعة مدينة "لانتشو"، تلك المدينة التي تتميز بموقعها الإستراتيجي داخل المقاطعة حيث إنها مركز للمواصلات وطرق النقل البرية لمدن ومقاطعات غرب الصين، ويعيش فيها العديد من القوميات الصينية، منها قومية "الهان" القومية الأكبر في الصين، وقومية "الهوي"، وقومية "دونغشيانغ"، وقومية "باوآن"، وتبرز المظاهر الإسلامية في مدن المقاطعة كافة، وخاصة مع كتلة كبيرة من قومية الـ"هوي" المسلمة التي تستوطن مدن المقاطعة، وتعد قومية "هوي" ثانيَ أكبر القوميات الصينية البالغة (56) قومية، وأكبرَ قوميةٍ مسلمة في الصين.

المزايا الجغرافية

مقاطعة "قانسو" هي إحدي المقاطعات المتنوعة جغرافيًّا بين عدة هضاب، أهمها هضبة اللوس، وهضبة منغوليا الداخلية، وهضبة تشينغهاي، كما يوجد بها العديد من الأنهار: منها نهر الأصفر، ونهر اليانغتسي، ولاتساع، علاوة على ذلك بها العديد من الجبال والأودية والسهول والصحاري، كل ذلك ساعد أن تكون مقاطعة قانسو متميزة بتعدد المناخ وتفاوت في درجات الحرارة، وجعل المقاطعة غنية بالزراعات المتنوعة: مثل البطاطس، وزراعة الخَضروات، وإنتاج البذور، كما تشتهر بزراعة الأعشاب الطبية،وتتميز بمراعٍ ضخمة.

كل ذلك إضافة إلى موقعها الفريد الذي جعلها على طريق الحرير القديم، وهو ما جعلها غنية بمواردها الثقافية والحضارية، فقد كانت متصلة بثقافات الحضارات القديمة: مثل الحضارة الهندية، والحضارة البابلية، وفي محاولة لإحياء طريق الحرير؛ تُسرع الصين لإقامة مشروع الحزام والطريق، والذي يُحيِي مرة ثانية فكرة طريق الحرير القديم، الذي تنوي الصين فيه تفعيل مزايا معالمها القديمة، ذلك الأمر الذي جعلها قديمًا من أغنى الحضارات القديمة، مما يفيد الإقليم ثانية في إنعاشه اقتصاديًّا، وجذب الاستثمارات فيها بوصفها واحدة من أهم مراكز التجارة والخدمات اللوجستية لمناطق شمال غرب الصين، كل ذلك يؤهل المقاطعة ومدنها لتكون أحد أهم المزارات السياحية في الصين.

 

أهم مدن المقاطعة... مدينة لينشيا

تقع مدينة لينشيا غرب مقاطعة قانسو، وعلى طرف المجرى الأعلى للنهر الأصفر، وتحيط بها الجبال من ثلاث جهات، وهذه المدينة هي منطقة من (5) مناطق ذاتية الحكم في الصين، كما تعد واحدة من أهم مدن مقاطعة قانسو وأهم مراكز تجمع المسلمين تاريخيًّا، حتى سميت بـ "مكة الصغرى" بسبب ثقافتها الإسلامية الخالصة ودورها التاريخي في نشر الإسلام، ويسكنها عدد من القوميات المسلمة أهمها: قومية هوي، ودونغ شيانغ، وباوآن، وسالار، وقازاق، والويغور.

 

التواجد الإسلامي بالمقاطعة

ترجع أهمية المقاطعة التاريخية للدور الذي قامت به المدينة بوصفها واحدة من أقدم مدن طريق الحرير -الناقل المؤثر للثقافة والتجارة عبر التاريخ- ويعود تاريخ المنطقة لأكثر من خمسة آلاف عام، كما كانت عاصمة دويلة تشين الغربية، وبعد ظهور الإسلام وانتشاره ووصول الفتوحات على حدود الصين، بدأت تظهر أهمية المنطقة كمعبرٍ للإسلام داخل الأراضي الصينية في عهد أسرتي تانغ وسونغ (618-1279م).

واستقر بعض التجار المسلمين من العرب والفرس في المنطقة ليشكلوا أول وجود إسلامي في المدينة، وإن كان الغزو المغولي للصين هو أحد نكبات الأمة الإسلامية، لكنه كان عاملًا قويًّا لانتشار الإسلام في العديد من البلدان ومنها الصين. فإسلام القائد المغولي آن شي وانغ وجنوده الذين بلغ عددهم (150) ألف جندي ودخولهم في الإسلام، أحد أهم الأسباب لتعزيز التواجد الإسلامي بهذه المدينة، وبعد انتهاء حكم أسرة يوان لم يتغير التواجد الإسلامي بها، مما عزز مظاهر الثقافة الإسلامية فيها.

وفي بداية عهد أسرة تشينغ زادت قوة التواجد الإسلامي، وشهد الإسلام في الصين بشكل عام ازدهارًا كبيرًا، فقد كانت مدينة شيآن مركزًا صينيًّا للثقافة الإسلامية، وتقع بالقرب من لينشيا. وأدت الاضطرابات التي حدثت في الصين في أثناء حكم أسرة تشينغ إلى هجرة العديد من المسلمين إلى لينشيا، كل ذلك ساعد على جعل منطقة لينشيا مركزًا تعليميًّا إسلاميًّا.

 

معالم وعلماء لينشيا

تَزخُر مدينة لينشيا بالمعالم الإسلامية، ومن أهم تلك المعالم: مسجد "نانقوان"، الذي بُنيَ في مدة أسرة يوان (1271-1368م) في وسط مدينة ينتشوان، وهو أحد أكبر مساجد منطقة لينشيا ذاتية الحكم لقومية "هوي" وله طراز عربي، إضافة إلى الطراز الصيني، كما يتسع لأكثر من (1300) مُصَلٍّ. ومن المعالم أيضًا مسجد "لاو هوا" الذي بُنيَ منذ ما يقارب من (600) عام، في عام (١٣٦٨م).

وكان لازدهار التعليم في المدينة دورٌ كبير جعلها تحظى بتواجد العديد من طلاب العلم الديني، حتى سميت بمكة الصغرى، فقد عاش فيها العديد من علماء مسلمي الصين مثل (تشي مينغ دا) Qímíngdé (1894-1987م) والعالم المسلم (باي ها) bái hā (1933-2012م)، كما يوجد بها العديد من العلماء، وكذا المعالم الإسلامية الأخرى، الأمر الذي يستحق أن يُقدَّم عنه تقارير مفصلة للأهمية التاريخية.

 

وحدة رصد اللغة الصينية

الموضوع السابق رئيس إندونيسيا يدعو شيخ الأزهر لزيارة البلاد وحضور فعاليات المؤتمر العالمي الأول لفقه الحضارة
الموضوع التالي رسالة شيخ الأزهر بشأن تعليق التعليم الجامعي للفتيات في أفغانستان
طباعة
1496

أخبار متعلقة