مأساة مسلمى الروهينجا

 

من مقاصد الشريعة الإسلامية "27"
Anonym

من مقاصد الشريعة الإسلامية "27"

بقلم : د. عبدالفتاح العواري

أول هذه النماذج: انتصاف لمظلوم شاب من أقباط مصر خاصمه ولد لعمرو بن العاص رضى الله تعالى عنه، عندما كان عمرو بن العاص واليًا على مصر فى عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب اشتبك ابن له مع أحد المصريين وأغراه سلطان أبيه فضرب الرجل، ومصر يومئذ حديثة عهد بالفتح، والمنظور أن يستكين المضروب لابن القائد الفاتح الذى هزم أكبر دولة فى الأرض، ورمى بجيشها فى البحر الأبيض. ولكن المجنى عليه كان يأنس فى الإسلام وحكمه غير هذا الذى نزل به فأقسم ليبلغن شكواه إلى أمير المؤمنين عمر، واستحمق الولد الضارب، فقال: افعل فلن تضيرنى شكواك أنا ابن الأكرمين أرأيت هذا الإدلال بالنسب المدعى؟

فبينما كان عمر بن الخطاب فى خاصته، وعمرو بن العاص وابنه فى المجلس، والمدينة غاصَّة بالوفود فى موسم الحجيج قدم المصرى المظلوم وقال لعمر: يا أمير المؤمنين إن هذا- وأشار إلى ابن عمرو- ضربنى ظلمًا ولما توعدته بالشكوى إليك قال: فأنا ابن الأكرمين. فنظر عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص نظرة استنكار، وقال له هذه الكلمة العظيمة: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»، ثم توجه إلى الشاكى، وناوله سوطه وقال له: اضرب ابن الأكرمين كما ضربك.

إن عمر بن الخطاب أنصف الإسلام بهذا الحكم من نزلة بعض الناس، لقد سوى الإسلام بين الحاكم والمحكوم فى الحقوق العامة، واعتبر الحكم وظيفة لخدمة اجتماعية محدودة السلطة، لما تولى أبوبكر الصديق- رضى الله عنه- الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: «أيها الناس إنى وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فتابعونى وإن صرفت فقومونى القوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوى حتى آخذ له حقه، أطيعونى ما أطعت الله ورسوله فإن عصيت فلا طاعة لى عليكم».

وجاء عمر بعده فقال: «لوددت أنى وإياكم فى سفينة فى لجة البحر تذهب بنا شرقًا وغربًا فلن يعجز الناس أن يولوا رجلاً منهم، فإن استقام اتبعوه وإن جنف عزلوه». وكتب لأبى موسى الأشعرى واليه على الكوفة يقول: «يا أبا موسى إنما أنت واحد من الناس غير أن الله جعلك أثقلهم حملاً، إن من ولى أمر المسلمين يجب عليه ما يجب على العبد لسيده». وقال عمر بن الخطاب للناس يوماً: «ما قولكم لو أن أمير المؤمنين شاهد امرأة على معصية؟ يعنى أتكفى شهادته فى إقامة الحد عليها؟ - فقال له على بن أبى طالب: «يأتى بأربعة شهداء أو يجلد حد القذف شأنه فى ذلك شأن سائر المسلمين». هكذا تتجلى لك سمة المساواة بارزة فى سيرة الخلفاء الراشدين المهديين تلك المساواة التى ما عرفها الناس فى دنيا الفرس والرومان قبل الإسلام ولا فى دنيا غيرهم من الإمبراطوريات الضخمة التى تقاسمت أقطار العالم يومئذ.

نموذج آخر: يمثل انتصافاً من ظالم إنه جبلة بن الأيهم ملك من ملوك الغساسنة، أقبل من الشام إلى المدينة مسلماً فاستقبله عمر بن الخطاب- رضى الله تعالى عنه- وأكرم وفادته، ثم أراد عمر الحج فخرج جبلة معه فبينما هو يطوف بالبيت إذ وطئ إزاره رجل من بنى فزارة فاضحل.. فرفع جبلة يده فهشم أنفه الفزارى فشكا الفزارى أمره إلى عمر فبعث إلى جبلة، فأتاه فقال: ما هذا؟ قال: إنه تعمد حل إزارى ولولا حرمة الكعبة لضربت بين عينيه بالسيف، فقال له عمر: قد أقررت بذلك.. فإما أن ترضى الرجل وإما أن أقيده منك.. قال: وما تصنع بى؟ قال: آمر بهشم أنفك كما فعلت، فاستمهله جبلة تلك الليلة ليرى رأيه فى الأمر، فأمهله فلما انتشرت القمة وهدأت الحركة ولى جبلة عائداً إلى القسطنطينية مرتدًّا إلى نصرانيته، ثم إنه ندم على ارتداده وتركه الإسلام.  فهذا نموذج يتجلى لك به حال المجتمع المسلم عندما كان محاطًا بسياج الشريعة الغراء، الكثرة الظالمة فيه قليلة حتى ينتصف منها، والقلة المظلومة فيه كثيرة حتى ينتصف لها دون تفريق بين من ينتسب فيه بجنسية إلى الأرض والوطن ووافد إليها غريب ومقيم فيها لمصلحة أو رزق.

ومع ذلك الإشراق، وتلك الصراحة للإسلام فها أنتم ترون كيف أن محور الطغيان فى العالم يجرد اليوم أمضى أسلحة الإرهاب فتكًا فى حرب معلنة على الإسلام الذى يقرر الحق والعدل وعلى تاريخه، وأنه وقد مهد أقطاب هذا المحور لحربهم هذه بأكذوبة لم أجد فى قاموس الجرائم أشنع منها، إنها جريمة الكذب المتعمد على التاريخ!.. وهل التاريخ إلا لسان الدهر وعقله؟! إنها الأكذوبة التى وضعت الدهر كله فى قفص الاتهام، لا بل فى زاوية التجريم وذلكم عندما أعلن الطغيان الأمريكى: أن الإسلام دين الإرهاب. ويقينًا أن الإسلام لو كان مجموعة أفكار أنتجتها أمة من الناس لكان فى هذه الحرب المعلنة عليه، ما يقضى عليه العدم.

ولكن المستقبل القريب سيؤكد الحقيقة التى يعرفها كل ذى دراية عقلية حرة وهى أن الإسلام ليس إلا وحى الله تعالى إلى عباده فى الأرض ومن ثم فلن تغيب شمسه ولن يخبو نوره: «يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون»، وصدق ربنا اللطيف الخبير حيث يقول فى موطن آخر من كتابه الكريم: «يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون. هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون».

 

الموضوع السابق «الفرق الضالة وسبل مواجهتها».. ندوة بكلية الاقتصاد المنزلى بجامعة الأزهر في طنطا
الموضوع التالي أنت تسأل ولجنة الفتوى بالأزهر.. تجيب: شروط التوبة
طباعة
1594