مأساة مسلمى الروهينجا

 

بناء الإنسان وتنوير العقول محور أساسى لتقدم وتنمية المجتمعات
Hussien Farouk
/ الأبواب: أخبار

بناء الإنسان وتنوير العقول محور أساسى لتقدم وتنمية المجتمعات

الرئيس السيسى: نتطلع لمزيد من الجهود لإعادة قراءة تراثنا الفكرى برؤية واقعية مستنيرة

الإمام الأكبر: المتربصون بالسنة على اختلاف مشاربهم يجمع بينهم الشك فى رواة الأحاديث

 

شهد الرئيس عبدالفتاح السيسى احتفال وزارة الأوقاف بالمولد النبوى الشريف بحضور المهندس مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء، وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، والدكتور شوقى علام مفتى الجمهورية، والدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف.

وألقى الرئيس السيسى كلمة أكد فيها على أن بناء الإنسان وتنوير العقول هو المحور الأساسى لتقدم وتنمية المجتمعات، وأن رسالة الإسلام التى تلقاها سيد الخلق وأشرفهم صلى الله عليه وسلم، صاحب هذه الذكرى العطرة، والذى بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، حرصت كل الحرص على إرساء مبادئ وقواعد التعايش السلمى بين البشر وحق الناس جميعاً فى الحياة الكريمة، دون النظر إلى الدين أو اللون أو الجنس، فقد خلقنا المولى شعوباً وقبائل، متنوعين ثقافياً ودينياً وعرقياً، لكى نتعارف.

وأضاف السيسى أن ديننا الحنيف علمنا أنه لا إكراه فى الدين، ليرسخ بذلك قيم التسامح وقبول الآخر، إلا أنه من دواعى الأسف أن يكون من بيننا من لم يستوعب صحيح الدين وتعاليم نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، فأخطأ الفهم وأساء التفسير، وهجر الوسطية والاعتدال، منحرفاً عن تعاليم الشريعة السمحة ليتبع آراء جامحة ورؤى متطرفة، متجاوزاً بذلك ما جاء فى القرآن الكريم وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من حرمة النفس، وقدسية حمايتها وصونها من الأذى والاعتداء.

وقال الرئيس: لمواجهة تلك الظاهرة على كل فرد منا أن يقف بكل صدق أمام مسئولياته، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، وتأتى فى مقدمة تلك المسئوليات أمانة الكلمة، وواجب تصحيح المفاهيم الخاطئة، وبيان حقيقة ديننا السمح، وتفنيد مزاعم من يريدون استغلاله بالباطل، بالحجة والبرهان.

وأشار الرئيس إلى أن الدولة وضعت هدفاً استراتيجياً لها خلال الفترة الحالية، وهو بناء الإنسان وتنويره، لذا فإننى أدعو علماءنا وأئمتنا ومثقفينا إلى بذل المزيد من الجهد فى دورهم التنويرى، دعونا نستدعى القيم الفاضلة التى حث عليها الإسلام ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم والتى تنادى بالعمل والبناء والإتقان، لنواجه بها أولئك الذين يدعون إلى التطرف والإرهاب.

مضيفا: أنه بالرغم من جهود هؤلاء العلماء والأئمة والمثقفين، ودورهم المحورى فى هذه المعركة الفكرية والحضارية، إلا أننا نتطلع إلى المزيد من تلك الجهود لإعادة قراءة تراثنا الفكرى، قراءة واقعية مستنيرة، نقتبس من ذلك التراث الثرى ما ينفعنا فى زماننا ويتلاءم مع متطلبات عصرنا وطبيعة مستجداته، ويسهم فى إنارة الطريق لمستقبل مشرق بإذن الله تعالى لوطننا وأمتنا والأجيال المقبلة من أبنائنا.

وطالب الرئيس بضرورة إنقاذ العقول من حيرتها، وتنبيه النفوس عن غفلتها، ونشر المفاهيم الحقيقة السمحة للإسلام والحرص على غرس القيم الإنسانية السامية فى القلوب والأذهان، لننبذ العنف والكراهية والبغضاء.

وأضاف أن رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم كان وما يزال قدوة للناس جميعاً، فلقد كان على خلق عظيم، فدعونا نقتدى بنبى الرحمة الذى بعث ليتمم مكارم الأخلاق، لنجعل من وطننا الحبيب مصر منارة للسلام والرقى، ولتستعيد مكانتها الطبيعية كمركز للحضارة والعلم والثقافة للإنسانية جمعاء.

وخلال الحفل ألقى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر كلمة أكد فيها أن هذه الذكرى التى تثير فى وعى كل مسلم، ووعى كل من يعرف هذا النبى الكريم ويعرف سيرته وأخباره، ويقدره حق قدره عوالم من ذكريات العظمة والعظماء الذين غيروا التاريخ وأنقذوا الإنسانية، وصححوا مسارها، وكانوا حلقة الوصل فى إضاءة الأرض بنور السماء.

وأشار إلى أن هذا النبى -العالى القدر العظيم الجاه- الذى يحتفل بمولده قرابة مليار وثلث المليار من أتباعه فى مشارق الأرض ومغاربها، له فى رقابنا نحن المؤمنين به والمنتفعين بسننه وتعاليمه وتوجيهاته، أكثر من حق وأكثر من واجب، لأنه صلوات الله وسلامه عليه، لم يكن عظيما فى باب واحد من أبواب العظمة الإنسانية يشد الأنظار ويدهش العقول. ولكنه كان مجمع العظمة فى كل أبوابها التى تستوجب الاحترام والتوقير فى كل عصر وكل قبيل..

وأكد أنه من المستحيل فى هذه الكلمة المحددة زمانا ومساحة، أن نلم بأى جانب من جوانب العظمة المحمدية، المترامية الأطـراف والأبعـاد والتى اجتمعت لهذا الإنسان الكامل، فإنى لأرجو أن يكون لكلمتى متسع فى الإشارة إلى أمر قديم متجدد، يتعلق بهذه المناسبة الشريفة من قريب أو بعيد.. ذلكم الأمر هو هذه الصيحات التى دأبت على التشكيك فى قيمة السنة النبوية وفى ثبوتها وحجيتها، والطعن فى رواتها من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، والمطالبة باستبعاد السنة جملة وتفصيلا من دائرة التشريع والأحكام، والاعتماد على القرآن الكريم فحسب، فى كل ما نأتى وما ندع من عبادات ومعاملات، وما لم نجده منصوصا عليه فى القرآن فإن المسلمين فيه أحرار من قيود التحريم أو الوجوب.

وأشار فضيلته إلى أن هذه الدعوة قد ظهرت أول ما ظهرت فى عصرنا الحديث، فى الهند منذ نهاية القرن التاسع عشر، وشاركت فيها شخصيات شهيرة هناك، منهم انتهى به الأمر إلى ادعاء النبوة، ومنهم من كان ولاؤه للاستعمار، ومنهم من أداه اجتهاد إلى إنكار الأحاديث النبوية ما كان منها متواترا وما كان غير متواتر، وزعم أن السنة ليست لها أية قيمة تشريعية فى الإسلام، وأن القرآن وحده هو مصدر التشريع ولا مصدر سواه، ضاربا عرض الحائط بما أجمع عليه المسلمون من ضرورة بقاء السنة إلى جوار القرآن جنبا إلى جنب، وإلا ضاع ثلاثة أرباع الدين.. وضربوا لذلك مثلا: الركن الثانى من أركان الإسلام بعد الشهادتين وهو: الصلاة. فمن المعلوم أن الصلاة ثابتة بالقرآن الكريم، لكن لا توجد آية واحدة فى طول القرآن وعرضه يتبين منها المسلم كيفية الصلوات الخمس، ولا عدد ركعاتها وسجداتها ولا هيئاتها من أول تكبيرة الإحرام إلى التسليم من التشهد الأخير.

وأوضح الدكتور الطيب أن هذه التفاصيل لا يمكن تبينها ومعرفتها إلا من السنة النبوية التى هى المصدر الثانى من مصادر التشريع فى الإسلام، وحين طولب هذا المنكر لحجية السنة بإقامة الدليل على هيئات الصلاة من القرآن فقط حتى يتبعه المسلمون، قال -وهو غارق إلى أذنيه فى قياس الإحراج-: «إن القرآن لم يأمرنا إلا بإقامة الصلاة، أما كيفية أداء الصلاة فأمر متروك لرئيس الدولة ويحدده بمشورة مستشاريه حسب الزمان والمكان».

وأضاف أن هذا الاتجاه قد سار فيه هؤلاء المقربون من أجهزة الاستعمار، فأنكروا آيات الجهاد وأفتوا بحرمة التصدى للمستعمرين، وأنكروا كل ما تنكره الثقافة الغربية، ولو كان دينا وأثبتوا ما تثبته حتى لو جاء صادما للإسلام وإجماع المسلمين، ثم ما لبثت الفتنة أن انتقلت إلى مصر، وتعصب لها طبيب بسجن طرة نشـر مقالتين فى مجلة المنار عام 1906، 1907م بعنوان: «الإسلام هو القرآن وحده» ولقيت الفكرة دعما من بعض الكتاب المتربصين بالسنة النبوية، والمنكرين ثبوتها..

وأكد فضيلة الإمام الأكبر على أن هؤلاء على اختلاف مشاربهم وأذواقهم يجمع بينهم الشك والريبة فى رواة الأحاديث، والإغضاء عن جهود علمية جبارة مضنية، أفنى فيها علماء الأمة وجهابذتها أعمارا كاملة، أراقوا فيها ماء أعينهم، من أجل هدف أوحد، هو تمييز الصحيح من غير الصحيح من مرويات السـنة، وذلك من خـــلال بحث دقيـــق -متفرد- عجيب فى تاريخ الرواة وسيرهم العلمية والخلقيـة، حتى نشأ بين أيديهم من دقة التعقب والتقصى والتتبع علم مستقل من العلوم، يعرف عند العلماء بعلم «الإسناد» أو «علم الرجال» وهو علم لا نظير له عند غير المسلمين لا قديما ولا حديثا، وقد شهد بذلك الأفذاذ من علماء أوروبا ممن توفروا على دراسة السنة النبوية، حتى قال المستشرق الألمانى ألويس شبرنجر: «إن الدنيا كلها لم تر ولن ترى أمة مثل المسلمين- فقد درس بفضل علم الرجال الذى صمموه حياة نصف مليون رجل»، وحتى قال المستشرق الإنجليزى الكبير مارجليوت فى إحدى محاضراته عن هذا العلم: ورغم أن «نظرية الإسناد» (عند علماء الحديث) قد سببت كثيرا من المتاعب نظرا لما يتطلبه البحث فى توثيق كل راو من رواة الأحاديث إلا أن قيمة نظرية «الإسناد» فيما يتعلق بدقة الحديث النبوى لا يمكن الشك فيها، ومن حق المسلمين أن يفتخروا بعلم الحديث من علومهم».

وأضاف الدكتور أحمد الطيب أن هذا الكلام المنصف لم يصدر عن علماء الغرب - رغم صعوبته عليهم- إلا بعد معاناة ومكابدات طويلة للدرس والبحث والتنقيب وبعد ما تبين لهم أن التاريخ لا يعرف شخصية أخرى غير محمد صلى الله عليه وسلم، سجلت جميع وقائع حياته، وجميع أفعاله وأقواله وأسفاره وأخلاقه وعاداته حتى شكل لباسه، وخطوط وجهه وكيفية تكلمه ومشيه وأكله وشـربه ونومـه وتبسمه ونمط عشرته بأهل بيتـه ولأصدقائه وأعدائه، وغير ذلك مما حفلت به مراجع السير والتاريخ.

واختتم الإمام الأكبر شيخ الأزهر كلمته بالعودة إلى رحاب صاحب هذه الذكرى صلوات الله وسلامه عليه ليتساءل تساؤل تعجب ودهشة بالغة: من أنبأ هذا النبى الكريم بأن ناسا ممن ينتسبون إليه سيخرجون - بعد أكثر من ثلاثـة عشر قرنا من الزمان - ينادون باستبعاد سنته والاكتفاء عنها بالقرآن ليحذرنا من صنيعهم قبل أن يخلقوا بقرون عدة، وفى حديث صحيح. يقول فيه : «يوشك رجل منكم متكئا على أريكته يحدث بحديث عنى فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل الذى حرم الله» أليس هذا دليلا من دلائل نبوته - ومعجزة من معجزاته!.

من جهته، قال الدكتور محمد مختار جمعة، إن مراعاة مقتضيات الزمان والمكان والأحوال والعرف والعادة أحد أهم شروط الفتوى والخطاب الدينى الرشيد معا.. وقد أكد علماؤنا الأوائل أنهم اجتهدوا لعصرهم فى ضوء ظروفهم وأحوالهم، وأن علينا فيما يتصل بالمتغيرات والمستجدات أن نراعى ظروف عصرنا وأحواله، وألا نوصد أبواب الاجتهاد.

مضيفا: أن من أفتى الناس بمجرد المنقول من الكتب على اختلاف أزمنتهم وأمكنتهم وأعرافهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وقد عدوا ذلك خلاف الإجماع وجهالة فى الدين، بل إن أبا يوسف صاحب الإمام أبى حنيفة وغيرَه من كبار الفقهاء والعلماء ذهبوا إلى أن الأحاديث المبنية على العادة يختلف استنباط الحكم منها باختلاف العادة، بل ذهب أبويوسف (رحمه الله) إلى أبعد من ذلك فقال: «إذ لو كان صاحب النص (صلى الله عليه وسلم) بيننا عند تغير العادة لغير النص لتغير العادة» إنها شجاعة الوعى والفهم والتجديد المنضبط بضوابط الشرع.

كما فرق العلماء بوضوح بين فقه الجماعة وفقه الدولة، وأفردوا لذلك مباحث وأبوابا، فمثلا عندما قال النبى (صلى الله عليه وسلم): «من أحيا أرضا مواتا فهى له»، مشجعا على استصلاح الأراضى تصرف فى ذلك بصفته رئيس دولة وفق مقتضيات عصره، فلا يأتى الآن من يضع يده على مئات أو آلاف الأفدنة، ويقول: أحييتها فهى لى وبينى وبينكم حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، نقول له إن النبى (صلى الله عليه وسلم) تصرف فى ذلك بصفته رئيس دولة، فهو من الشأن العام الذى لا يترك أمر التصرف فيه إلى الأفراد بعيداً عن سلطة الدولة.

وعليه فإن الخلط بين ما كان من شئون العقائد أو العبادات وما هو من شئون نظام الدولة وإنزال هذا منزلة ذلك خلل فى الفهم وضرب من الجهل.

الموضوع السابق تقييد الزواج بين الشريعة والقانون
الموضوع التالي داعش.. البطولة المزيفة
طباعة
4250