مأساة مسلمى الروهينجا

 

كيف تؤثر ظاهرة الاغتراب الثقافي على الشباب وتهدد المجتمعات؟!
Sameh Eledwy
/ الأبواب: قضايا أخرى

كيف تؤثر ظاهرة الاغتراب الثقافي على الشباب وتهدد المجتمعات؟!

ثقافة المجتمع هي ذلك الوعاء الذي يحتوي بداخله السمات والخصائص التي تميز مجتمع عن غيره كالدين واللغة والعادات والتقاليد والأعراف والفنون والطعام وغير ذلك.
وتشكل الثقافة هوية المجتمع وتحدد انتماءاته: فمن خلال الثقافة السائدة في المجتمع يشعر الفرد بالانتماء لوطنه، لأنه يعيش وسط مجتمع يتحدث أفراده نفس اللغة، وتجمعهم عدة روابط من لغة وعادات وتقاليد وقيم مجتمعية، وكلما كان الشعور بالانتماء مترسخًا في نفوس أفراد المجتمع تنامى الشعور بالأمان والألفة بين أفراده؛ الأمر الذي يظهر في سهولة التواصل بين أفراد المجتمع على اختلاف المدن والمناطق التي ينتمون إليها واشتراكهم جميعًا في الآمال والآلام والطموحات والتحديات.
كما تلعب الثقافة دورًا كبيرًا في الإحساس بالواجب تجاه الوطن والمجتمع الذي ينتمي إليه الفرد وكذا الالتزام بحماية حقوق شركاء المجتمع، كما تساعد الثقافة على فهم العادات الاجتماعية؛ حيث تُسهم بشكل كبير في منح الفرد القدرة على فهم المواقف الاجتماعية المتعددة، وفهم الآخرين ومعرفة الطريقة التي يتفاعلون بها فيما بينهم، مما يُسهم في مراعاة العادات والمعايير الثقافية للمجتمع، وكيفية التصرّف بناءً عليها، من هنا تبرز أهمية انتماء الإنسان لثقافة المجتمع الذي يعيش فيه، بما يحقّق مراد الله من الخلق وهو إعمار الكون، واستثمار الاختلاف للتكامل لا للتنافر والتناحر ولا أن يكون الاختلاف مدعاة للتخلي عن الهوية والثقافة.
وفي ظل ما يشهده العالم اليوم من تغيرات متسارعة على جميع الأصعدة: الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والثقافية، والتي أثرت على مختلف مناحي الحياة، وأسهمت في التغيرات السلوكية التي طالت الأفراد والمجتمعات - تأتي ظاهرة الاغتراب الثقافي التي باتت تنتشر في كثير من مجتمعاتنا وتعصف بشبابنا لتدق ناقوس الخطر وتنذر بمستقبل محفوف بالمخاطر؛ جراء اندفاع الشباب نحو التخلي عن هويتهم، وثقافتهم والإقبال بشغف على ثقافات مستوردة تعتبر من وجهة نظر هؤلاء عين التقدم والتحضر دون تفكير فيما إذا كانت هذه الثقافات وما تحويه من سلوكيات مناسبة لنا أو لا، الأمر الذي استدعى إلقاء الضوء على هذه الظاهرة وتوضيحها وسبل مواجهتها.

الاغتراب الثقافي .. المفهوم والمصطلح

يقصد بالاغتراب الثقافى أن تمرد الفرد على الثقافة السائدة في المجتمع الذي يعيش فيه، نتيجة لانبهاره بثقافة أجنبية عنه، وميله نحو تقليد الثقافات الأخرى الوافدة، خاصة في الأمور الخاصة بالعادات والتقاليد والأعراف وأسلوب الحياة والنظام الاجتماعي، وما ينتج عن ذلك من ضعف قدرة الفرد على التواصل والانسجام مع ثقافته، والميل إلى العزلة والشعور بالعجز واللا مبالاة والإخفاق في التكيف مع الثوابت السائدة وكذا التغيرات الطارئة على المجتمع بشكل موضوعي.

مظاهر الاغتراب الثقافي

تتضح ملامح الاغتراب الثقافي على الأفراد من خلال بعض الأعراض التي نذكر منها ما يلي:
• العزلة الاجتماعية: يشعر الشخص الذي يعاني من الاغتراب الثقافي بالوحدة وعدم الرغبة في إقامة علاقات اجتماعية مع الآخرين، ويبدو غير متكيفٍ مع مجتمعه، كما تظهر عليه علامات ضعف مهارات التواصل المجتمعي، ويرفض المجتمع ككل، فاقدًا لحماسة المشاركة الفعالة في تحقيق الأهداف العامة للمجتمع الذي يعيش فيه، و يكون تركيزه دائمًا على الجوانب السلبية للمجتمع الذي يعيش فيه.
• الاغتراب عن الذات: يكمن السبب في انفصال الفرد عن ذاته واغترابه عنها هو وقوعه بين ثقافتين، إذ يجد نفسه بين عادات وتقاليد وأعراف تربى عليها، وثقافات وافدة يرى فيها النموذج الأمثل للحياة العصرية المترفة، من هنا ينخرط في محاولات تقليد الثقافة الأجنبية، فتنشأ مجموعة من الضغوط الاجتماعية نتيجة هذا التناقض والصراع، فيشعر بعدم الرضا عن ذاته، ويفقد صلته الحقيقية بنفسه، ويرفض كل ما يحيط به، ومن ثم يصيبه الشعور بالضيق والتبرم لكل ما حوله.
• العجز: فالاغتراب الثقافى يُضعف التحكم الذاتي لدى الفرد فيكون عاجزًا عن السيطرة على تصرفاته وأفعاله ورغباته، فلا يستطيع حتى تقرير مصيره، لأنه محدد من قبل عوامل خارجية، وهنا يكون لدى الفرد وجهة ضبط خارجية هى التي تحدد تصرفاته وسلوكياته، ويفتقد إلى وجهة الضبط الداخلية.
• اللا معنى: وهو عدم قدرة الفرد على وضع أهداف لمستقبله، أو ضعف قدرته على التفكير المستقبلي، فتصبح حياته بلا معنى أو بلا أهداف يسعى لتحقيقها، ما يدفعه إلى الشعور باللا مبالاة، وأن الحياة مملة ومملوءة بالروتين وأنها تسير بلا معنى أو هدف واضح.
• اللا معيارية: حيث يعتقد الفرد أن العديد من السلوكيات المرفوضة أصبحت مقبولة، أي إن السلوكيات التي تصدر عن الفرد لم يعد لها ضوابط أو معايير تحكمها، وفي الغالب ينبع هذا الشعور من عدم تمسك الفرد بالعادات والتقاليد والأعراف والقوانين السائدة في مجتمعه، فيصير المهم لديه هو المصلحة والمكاسب الشخصية،حتى وإن تعارضت مع القيم والقوانين السائدة في المجتمع.
• التمرد: ويعني رفض الفرد وسخطه على كل ما يحيط به من قيم وقوانين وعادات وضوابط اجتماعية، وميله إلى تحدي السلطة السائدة في المجتمع باختلاف أشكالها من قوانين وأعراف وقيم وآداب عامة، وعدم احترام ثقافة المجتمع الذي ينتمى إليه.
ومن الواضح أن ظاهرة الاغتراب الثقافي ينتج عنها العديد من المظاهر السلبية، وأنها لم تعد تقتصر في تأثيرها على الفرد المغترب ثقافيًّا فحسب، بل يمتد تأثيرها لينتج العديد من الظواهر السلوكية والاجتماعية التى يعاني منها المجتمع، مما يخلف ظواهر غريبة على المجتمع، وليس من المبالغة ولا التشاؤم أن نقول: إن الاغتراب الثقافي يسهم بشكل كبير في عدد من الأمراض الاجتماعية الخطيرة على رأسها: (الانحرافات السلوكية – الإلحاد – العنف - التطرف – عدم الانتماء للوطن)، وغيرها من الظواهر التي تؤرق المجتمع وتعصف بدرة المجتمعات وأغلى ما فيها وهم شبابها.
وختامًا، من المهم أن نعرض بعض التوصيات التي يمكن من خلالها الحد من ظاهرة الاغتراب الثقافي لدى الشباب، وذلك من خلال عدة زوايا:

أولًا: على الصعيد الأسري:
ضرورة تربية الأطفال على المعايير والضوابط الاجتماعية والثقافية السائدة في المجتمع، وضرورة الإشراف الأبوي على المحتويات والبرامج والأفلام التي يشاهدها الطفل سواء على التلفاز أو من خلال شبكة الإنترنت، وإبعاد الأطفال والنشء عن مشاهدة أي محتوى يتعارض مع معايير المجتمع وقيمه وعاداته وتقاليده.
ثانيًا: على الصعيد التعليمي والتربوي:
أهمية اتباع منهج تربوي -تتبنَّاه مؤسسات التعليم- يعمل على تعزيز واحترام الثقافة السائدة في المجتمع، والاهتمام باللغة العربية داخل المؤسسات التعليمية، فدائمًا ما يكون الإبداع والابتكار أوقع باللغة الأم، كما أن اللغة هي الوعاء الذي تنتقل فيه ثقافة المجتمع من جيل إلى آخر، وتوجيه الرحلات والمعسكرات والأنشطة الطلابية بما يخدم ويعزز ثقافة المجتمع ويعزّز الشعور بالانتماء للوطن والمجتمع في نفوس الشباب، إلى جانب العمل على تعزيز الشعور بالاعتزاز بالثقافة الأم واكتساب مهارة التفكير الناقد فيما يخص الثقافات الأجنبية لانتقاء ما يناسب ورفض غير المناسب منها.
ثالثًا: على الصعيد الإعلامي:
ضرورة تشديد الرقابة على المحتويات الإعلامية والدرامية المقدمة للجمهور، حيث تخلو من أية مظاهر تهدم ثقافة المجتمع وتعبث بقيمه ومعاييره وضوابطه، وتوجيه القنوات الإعلامية إلى تعزيز ثقافة المجتمع من خلال الصالونات الثقافية وغيرها من المحتويات الإعلامية التي توجه الشباب نحو الاعتزاز بثقافتهم الأم واستدعاء التاريخ المضيء.
رابعًا: على الصعيد التوعوي العام:
ينبغي العمل على تدريب وإكساب أبنائنا وشبابنا مهارات الذكاء الثقافي، فالشخص الذي يمتلك الذكاء الثقافي يستطيع الانفتاح على الثقافات الأخرى والتعايش معها مع الحفاظ على ثقافته الأصلية والاعتزاز بها.
وبما أنَّ الشباب هم بناة المستقبل، وقاطرة المجتمعات نحو التنمية والازدهار، تحتم على المؤسسات الدينية والرسمية، وأطراف المجتمع كافة، التصدي لأية ظاهرة من شأنها الإضرار بمستقبل الأمم ومصدر قوتها، وكذا الوقوف أمام أية محاولات للنيل من قيم المجتمع وثقافته، وهذا هو ديدن الأزهر الشريف؛ المؤسسة العريقة التي طالما كان لها قصب السبق في التوعية والتوجيه بما تصلح به المجتمعات، ويستقيم به حال الأمم ويستتب فيها الأمن، ويسود السلام العالم، ومن هنا أطلق الأزهر دعوات عدة للاهتمام بالشباب والتصدي لكل محاولات الإغواء ونشر الأفكار المنحرفة والسلوكيات غير السوية.
ونحن في مرصد مكافحة التطرف نؤكد على ما نادى به الأزهر الشريف من ضرورة سد الثغرات كافة التي تتسلّل من خلالها الأفكار الهدَّامة إلى عقول شبابنا، لا سيَّما في ظل حالة الاضطراب الأخلاقي التي تشهدها العديد من المجتمعات خلال الآونة الأخيرة، فإن انتشار الأفكار الضالة، وانتقالها من بيت إلى بيت عبر منصات التواصل الاجتماعي، يتطلب إستراتيجيات تواكب العصر وتواجه الفكر بالفكر، اعتمادًا على الوسائل ذاتها التي من خلالها ينتشر ذلك الفكر.
ويناشد المرصد الأطراف المعنية كافة بحماية المجتمعات من الفكر المتطرف، والسلوكيات غير السوية، للقيام بدورها في سبيل حماية المجتمعات من هذه الأوبئة، التي استشرت في عالمنا المعاصر كالسرطان القاتل، ومنها ظاهرة الاغتراب الثقافي.

وحدة البحوث والدراسات

الموضوع السابق برنامج اليوم الثالث لقافلة وعظ البحيرة في محافظة مطروح
الموضوع التالي قبيل ملتقى البحرين.. الأستاذ الدكتور محمد الضويني وكيل الأزهر الشريف: جولات الإمام الطيب إلى العديد من دول العالم أحدثت تطورًا كبيرًا في مسار الحوار بين الأديان
طباعة
470

أخبار متعلقة