مأساة مسلمى الروهينجا

 

مكافحة شلل الأطفال في مرمى نيران الجماعات المتطرفة
Sameh Eledwy

مكافحة شلل الأطفال في مرمى نيران الجماعات المتطرفة

     "ابتلينا بقوم يظنون أن الله لم يهد سواهم"، مقولة نسبت لـ"ابن سينا"، و"الغزالي"، وبصرف النظر عن قائلها، لكنها تعبر تعبيرًا حقيقيًّا عن واقع مرير تعيشه أغلب مجتمعاتنا الإسلامية ناتجٍ عن لغة الخطاب المتشدد الذي تتبناه بعض الجماعات الراديكالية، حيث تقوم بتفسير تعاليم الدين الإسلامي طبقًا لقراءتها الخاطئة ولمفهومها المنقوص والمقتطع من سياقه للنصوص الدينية، وقيامها بفرض هذه المفاهيم والتفسيرات المنقوصة على العامة باعتبارها الأصح، وكأنهم وكلاء لله على الأرض، لدرجة أن الدماء قد تراق على أيديهم؛ من أجل تطبيقها وتنفيذها ليس إلا.

جماعات لا تحارب الحياة فقط، بل تحارب أيضًا محاولات تَطْبِيبِهَا عن طريق الوقاية والعلاج، وخير مثال على ذلك حملات مكافحة مرض شلل الأطفال، المرض الذي باتت مكافحته في مرمى نيران تلك الجماعات، رغم كونه أحد الأمراض الخطيرة على حياة الطفل. تحاول بعض هذه الجماعات فرض تصورها ورؤيتها المتشددة حول مكافحة هذا المرض ومعالجته، حيث تغلف هذا الرفض بغلاف ديني حتى تقنع العامة بتصورها وتفسيرها البعيد كل البعد عن الدين. 

ما هو مرض شلل الأطفال؟

شلل الأطفال هو مرض شديد العدوى عادة ما يصيب الأطفال من سن يوم وحتى سن خمس سنوات، وتتمثل أعراضه الأولى في الحمى والإجهاد والصداع والقيء وألم في الأطراف. يتكاثر الفيروس المسبب للمرض في أمعاء الأطفال، ويهاجم الجهاز العصبي، ويمكن أن يسبب المرض شللًا غير قابل للعلاج، وفي الحالات المتأخرة، يمكن أن يؤدي إلى الوفاة.

ما هي الدول الأكثر إصابة به؟ ولماذا؟

تُعدُّ "باكستان" إحدى الدول التي لا تزال تعاني من هذا المرض، إلى جانب دولتين أخرتين هما: "أفغانستان" و"نيجيريا"، والأخيرة بدأت بالفعل في السيطرة عليه، لتتبقى كل من "أفغانستان" و"باكستان".

لقد كافحت الدولة الباكستانية كثيرًا، ولا تزال، لمواجهة انتشار هذا المرض في مختلف أقاليمها خاصة "السند" و"البنجاب" و"خيبر بختون خواه" والتي تعد أكثر الأقاليم الباكستانية تضررًا منه. ففي عام 2012 تم تسجيل 58 حالة إصابة بالمرض، وفي عام 2013 تم تسجيل 72 حالة، وفي عام 2014 وصل عدد الأطفال المصابين بهذا المرض لـ115 حالة. بينما سجلت 29 حالة فقط خلال عام 2015، وفي تقديرات أخرى 54 حالة، لتنخفض بعدها الحالات المسجلة في عام 2016 وتصل إلى 20 حالة،  و8 حالات في عام 2017، لترتفع مرة أخرى في عام 2018 بلغ عدد الإصابات 12 حالة، ثم ترتفع بشكل أكبر خلال العام الجاري 2019  لتصل إلى 77 حالة، وفي تقديرات أخرى 86 حالة.

ويمكن توزيع عدد الحالات على الأقاليم الباكستانية خلال الخمس سنوات الماضية، وحسب ما ورد في موقع "برنامج مكافحة شلل الأطفال في باكستان"، كما يلي:

Image

هذا التأرجح في الصعود والهبوط في عدد الحالات المسجلة يعود سببه الرئيس إلى الخطاب الديني المتشدد وما ينتج عنه من فتاوى تحرم تلقي اللقاح الواقي من مرض شلل الأطفال، وما يتبعه من توظيف سياسي لخدمة أجندات عدد من الجماعات المتطرفة والمحظورة وعلى رأسها طالبان باكستان، فحسب بعض التقارير، فإن ما يقرب من 30٪ من حالات رفض التطعيم ضد شلل الأطفال يعود لأسباب دينية!، في حين أن الـ 70٪ المتبقية تعود لأسباب سياسية أو لأسباب أخرى.

 

التوظيف السياسي لفتاوى التحريم

إذا أردنا أن نقف على طبيعة المشكلة، فيمكننا تقسيمها إلى ثلاثة مراحل متدرجة ومتصلة ومترابطة، هي:

مرحلة التحريم الديني: والتي روَّج فيها عدد من علماء الدِّين المتشددين أن التحريم سببه هو الاعتراض على إرادة الله والعمل على منع وقوع مشيئته! ولأنها مصنوعة من مشتقات الخنزير فهي محرمة أيضًا! كما وصف المتشدد "إبراهيم تشيستي"، حملات التطعيم ضد مرض شلل الأطفال بـ"غير الإسلامية"، وأعلن في المسجد المحلي وبعض الإذاعات أنه ينبغي تنفيذ الجهاد ضد الفرق الطبية التي تقوم بحملات التطعيم.

على جانب آخر، أصدرت طالبان الباكستانية فتوى ضد النساء العاملات في المجال الصحي في منطقتي "سوات" و"مالا كند"، واعتبر أحدهم أنَّ تواجد النساء في الأماكن العامة شكلٌ من أشكال الفحش، وقضى بأنه من واجب الرجل المسلم خطف العاملات الصحيات أثناء الزيارات المنزلية التي يقمن بها، وأن يتزوجهن قسرًا حتى لو كن متزوجات بالفعل!! كما أعلن بيان آخر للحركة أنه من غير القانوني أخلاقيًّا أن تخرج المرأة المسلمة للعمل في مقابل الأجر.

مرحلة الادعاء بمخاطرها الصحية: وفي هذه المرحلة رَوَّج أحد زعماء الدين عبر مكبرات الصوت في المساجد وغيرها إلى وجود مخاطر صحية لهذه اللقاحات، فهي حيلة غربية لتعقيم المسلمين وتقليل أعدادهم وإصابتهم بالعجز، خاصة وأن لقاحات شلل الأطفال المستخدمة في باكستان تُصَنَّع في مختبرات منظمة الصحة العالمية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة. ليس هذا فحسب بل اعتبرت حركة طالبان باكستان أن موت أي طفل بسبب المرض أو تبعاته قد حدث لرفضه الوقوع في المؤامرة الغربية. وهذا في حد ذاته يأخذنا للمرحلة الثالثة.

مرحلة التوظيف السياسي المسلح، والتي استغل فيها الأمر ووظف توظيفًا سياسيًّا لخدمة أهداف هذه الجماعات المتطرفة والإرهابية، وعلى رأسها "طالبان"، حيث ادعى "حافظ غل بهادر"، أحد القيادات الطالبانية في شمال منطقة "وزيرستان"، أن هذه اللقاحات بمثابة الستار الذي يستخدم لأغراض التجسس، وهو الرأي الذي يدعيه ويردده البعض، مستشهدين بما حدث أثناء الحملات التي انتشرت لمعالجة التهاب الكبد، وكانت غطاءً لمعرفة المكان الذي يقبع به "أسامة بن لادن"، زعيم تنظيم القاعدة، حسب قولهم.     

وقد تطور الأمر بعد ذلك لدرجة قيام أحد كبار قادة طالبان بحظر حملات القضاء على مرض شلل الأطفال في واحدة من المناطق القبلية الأكثر اضطرابًا على الحدود الباكستانية؛ في محاولة لإجبار الولايات المتحدة على إنهاء الهجمات الجوية التي تنفذ بواسطة الطائرات بدون الطيار. ليس هذا فحسب، بل اتهمت المنشورات التي وزعت جنوب "وزيرستان"، باسم "الملا نذير"، الزعيم القبلي التابع للإدارة الفيدرالية (فاتا)، العاملين الصحيين الذين يقومون بمهمة تطعيم الأطفال بالتجسس لصالح الغرب، كما شكك في صدق الجهود الدولية المبذولة لمعالجة هذا المرض شديد العدوى.

ليتخذ الأمر بعد ذلك منعطفًا دمويًّا، وذلك عندما قُتل ما لا يقل عن 56 شخصًا، معظمهم من العاملين في مجال الصحة، إضافة لأفراد الأمن ممن يساعدون في حماية القائمين على هذه الحملات، وذلك إثر الهجمات التي وقعت في يونيو من عام 2012. وفي ديسمبر من نفس العام، نفذ مسلحون تابعون لحركة طالبان الباكستانية سلسلة من الهجمات في كل من "كراتشي" و"بيشاور" و"تشار سده" و"نوشيرا"، وأدت لتعطيل حملة التطعيم ضد المرض على مدار ثلاثة أيام، كما قتل المتشددون ما لا يقل عن 9 من العاملين في مجال مكافحة شلل الأطفال، بينهم 5 متطوعات.

استمرت الهجمات الإرهابية ضد العاملين في مجال مكافحة مرض شلل الأطفال خلال الفترات التي تنشط بها حملات الوقاية، ففي 7 أكتوبر عام 2013، استهدف متشددون إسلاميون معسكر توزيع طبي في منطقة "سليمان خيل" الواقعة في "بيشاور"، عاصمة إقليم "خيبر بختون خواه"، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 7 أشخاص، بينهم 4 من قوات الأمن. بينما شهد عام 2014 تزايدًا في عدد الاعتداءات على العاملين في هذا المجال، حيث قُتل 6 من ضباط الشرطة، إضافة لطفل، إثر انفجار قنبلة بالقرب من سيارة للشرطة في بلدة "تشارسده"، وذلك في 21 من يناير، وبينما كان أفراد الأمن في طريقهم لتوفير الحماية لفريق شلل الأطفال. وفي مارس، قُتل عدد من أفراد القوة القبلية المحلية المدعومة من الحكومة ممن كانوا يوفرون الحماية لفريق شلل الأطفال في انفجارين منفصلين شمال غرب باكستان. وفي 24 من مارس من نفس العام، وقع الحادث الأكثر وحشية عندما خطف مسلحون "سلمى فاروقي"، عضو حملة "صحت كا انصاف" (عدالة الصحة) المناهضة لشلل الأطفال التابعة لحكومة إقليم "خيبر بختون خواه"، على أيدي مسلحين. وقد أعلنت حركة طالبان والموالون لها مثل جماعة "جند الله"، وجماعة "لشكر الإسلام" مسئوليتهم عن أغلب هذه الهجمات.

 جدير بالذكر أن حركة طالبان باكستان قد أعلنت في فترة ما عن دعمها لحملات التطعيم ضد مرض شلل الأطفال، بشرط ضمان عدم استخدامها من قبل الولايات المتحدة كغطاء للتجسس وتقديم دليل يثبت أن قطرات التطعيم ضد المرض والتي تستخدم في معالجة الأطفال تتوافق مع المعتقدات الإسلامية. ووفقًا لما أدلى به المتحدث باسم حركة طالبان، وقتها، "إحسان الله إحسان": "إذا استطاعوا إقناعنا بأن قطرات شلل الأطفال هذه إسلامية، وأن وكالات التجسس لن تستخدمها لاغتيال مقاتلينا، فلن نعترض على أي حملة تطعيم تصب في المصلحة العامة"!. ولكن رغم ذلك استمرت طالبان الباكستانية في شن هجماتها ضد المسئولين عن حملات شلل الأطفال في البلاد.

 

فتوى العلماء بالجواز

إلى جانب الجهود المبذولة من قبل الدولة الباكستانية في دعم مكافحة هذا المرض العضال، هناك محاولات أخرى تبذل على جانب آخر ومن قبل علماء الدين المعتدلين. فمنذ أعوام أصدر ما يقرب من 160 من علماء الدين من منطقة "سوات"، فتوى تساند حملات التطعيم ضد المرض وذلك في عام 2014. وخلال العام الجاري 2019، صادق "اسلامی نظریاتی کونسل" (المجلس الأيديولوجي الإسلامي) المعروف أيضًا بـ (سي آي آي) على ما يقرب من مائة فتوى من الفتاوى الدينية الداعمة للتطعيم ضد شلل الأطفال، وهي المصادقة التي لاقت دعمًا كبيرًا من أطراف عدة، وتمنى البعض أن تكون البداية التي ستتناقص وتتوقف بسببها الآراء الدينية المتشددة والمعارضة لحقن اللقاحات.

كانت الهيئة العليا للمجلس قد قررت بالإجماع التصديق على فتاوى العلماء الداعمة لاستئصال مرض شلل الأطفال. وأعربت عن شعورها بالقلق بسبب ما تواجهه باكستان من القيود التي قد تفرض على السفر بسبب حالات شلل الأطفال، وبسبب ما قد تواجهه من أزمات مالية في المستقبل كتابع من توابع انتشار المرض وتزايده.

من جانبه أعلن "بابر بن عطا"، مساعد رئيس الوزراء لشؤون مكافحة مرض شلل الأطفال، أن هذه هي المرة الأولى التي تحصل فيها الحكومة على دعم المجلس في هذه القضية، خاصة وأن عدد حالات رفض التطعيم ضد مرض شلل الأطفال تزايدت منذ عام 2014، بسبب الفتاوى الدينية المعارضة، ورغم صدور العديد من الفتاوى التي تجيز اللقاح بينها الفتاوى الصادرة عن مؤسسة الأزهر الشريف بالقاهرة، وذلك حسب ما أدلى به "بابر". وأضاف أن الأُسَر قد اعتادت السؤال عن مشروعية الحصول على لقاح شلل الأطفال عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، لهذا توجهنا إلى اللجنة وطلبنا منها الدعم فيما يخص هذه القضية. وأعرب عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في تقليل عدد حالات الرفض خلال حملة التطعيم ضد شلل الأطفال القادمة وفي موسم انتقال العدوى المنخفض، والذي بدأ في 4 من نوفمبر الجاري.

 

رأي مؤسسة الأزهر

إن محاربة الحياة أو حتى محاولات منع تطبيبها سمة من سمات الفكر المتطرف المنتشر في العديد من المجتمعات الإنسانية، وما يترتب عليه من استغلال سياسي لهذه الأفكار من قبل جماعات راديكالية أو إرهابية تسعى لتحقيق أجندات هدامة للبشرية والحضارة الإنسانية، وتشويه صورة الدين الإسلامي، عن عمد، لصالح قوى أخرى.

لقد فطن الأزهر الشريف منذ نشأته لهذه التوجهات الهدامة، وتصدى لها، وعلى رأسها الحملات الممنهجة ضد لقاحات مرض شلل الأطفال؛ لهذا أكَّد فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف على حرص الإسلام على جلب المصلحة ودرء المفسدة، وأن ذلك ينطبق على مقاومة مرض شلل الاطفال، خصوصًا وأنه أصبح معلومًا وبشكل علمي ويقيني أن اللقاح ضد شلل الأطفال يمثل الوسيلة المثلى للوقاية من المرض، فضلاً عن أنها وسيلة ذات جدوى اقتصادية عالية؛ لأنها من جهة قليلة التكاليف، ومن جهة أخرى تقي أبناء الأمة من الإصابات والمضاعفات التي يمكن أن تنجم عن هذا المرض. وقد صدر بيان مجمع البحوث الاسلامية حثّ فيه الآباء والأمهات في مختلف أنحاء العالم على الاستمرار في تطعيم أطفالهم ضد مرض شلل الأطفال، وعدم الانسياق وراء الشائعات والادعاءات التي تُحرم التطعيم ضد هذا المرض. وجاء في البيان ما يلي: "لما كان شلل الأطفال يُعرِّض أطفالنا للموت أو الشلل في بعض الأطراف فيصبح الطفل عاجزًا طيلة حياته، ولما كنا مأمورين بدفع الضرر عن النفس؛ لذلك يناشد مجمع البحوث الإسلامية جميع الآباء والأمهات ألا يتبعوا تلك الدعاوى التي تحرم التطعيم ضد هذا المرض الخطير".

ومؤخرًا، وتحديدًا في سبتمبر من العام الجاري 2019، احتضن الأزهر الشريف برعاية فضيلة الإمام الأكبر د/ أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف فعاليات الاجتماع السادس للفريق الاستشاري الإسلامي المعني باستئصال مرض شلل الأطفال؛ لمناقشة التقدم المحرز والتحديات الماثلة بالدول الموبوءة والمعرضة لخطر ذلك المرض خلال عام 2019، في كل من أفغانستان وباكستان والصومال، وتسليط الضوء على جهود الفريق الاستشاري في مواجهة الأباطيل والمفاهيم الخاطئة والمعلومات الزائفة والشائعات التي تطال اللقاح المضاد لشلل الأطفال، وسائر المبادرات المعنية بصحة الأمهات والأطفال، حيث أكد فضيلة الإمام الأكبر استعداد الأزهر الشريف مضاعفة الجهود المبذولة للقضاء على مرض شلل الأطفال، وذلك من خلال تدريب طلابه الوافدين على كيفية الوقاية من هذا المرض في بلادهم، وتثقيفهم في كل ما يتعلق بالطفولة تربيةً ووقايةً وعلاجًا ، ومتابعة أنشطتهم في هذا المجال، إضافة إلى ما يستطيعه الأزهر من استقدام الأئمة من أفريقيا وآسيا على نفقته لإعدادهم وتثقيفهم عبر "برنامج خاص" بالتعاون مع علماء الشريعة والطب والتربية.

 

وحدة رصد اللغة الأردية

الموضوع السابق منصات التواصل الاجتماعي .. ودورها في صناعة التطرّف
الموضوع التالي خلال زيارته للكاتدرائية للتهنئة بأعياد الميلاد.. الإمام الأكبر: وصايا الأنبياء أكدت على الأخوة بين الناس
طباعة
1629

أخبار متعلقة