| 07 مارس 2026 م

الأزهر بين الحفاظ على اللغة العربية وتعليم اللغات

  • | الأحد, 1 فبراير, 2026
الأزهر بين الحفاظ على اللغة العربية وتعليم اللغات
بقلم: فضيلة الدكتور/محمد الضويني .. وكيل الأزهر الشريف

د. محمد الضوينى

وكيل الأزهر الشريف

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، خلقَ الإنسانَ، علَّمه البيانَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على مَن نزل عليه القرآنُ بخيرِ لغةٍ وأفضل لسانٍ، فكشفَ عن معانيه وأبان، وعلى آلِه وصحبِه ومَن تبعهم بإحسانٍ.

مِن البَدَهِيَّاتِ أنَّ لكلِّ أُمَّةٍ ثوابتَها وأخلاقَها وآدابَها وأعرافَها وعاداتِها الَّتى تُشَكِّلُ شخصيَّتَها، وتحفظُ كِيانَها، وتضمنُ وجودَها، وتُميِّزُها عن غيرِها من الأممِ، والأصلُ أنَّ مكوِّناتِ الهويَّةِ تتوارثُها الأمَّةُ جيلاً بعدَ جيلٍ، ويتناقلُها أبناءُ الأمةِ رعيلاً بعد رعيلٍ، ومِنْ ثمَّ فهى ميراثٌ وتراثٌ.

ومن الإنصافِ أن نعترَفَ بأنَّ الحضارةَ الإنسانيَّةَ فى جملتِها ليست نتاجاً خالِصاً لأمَّةٍ بعينِها، ولا خاصّاً بمجتمعٍ بعينِه؛ فالأممُ يتأثَّرُ بعضُها ببعضٍ ويؤثِّرُ بعضُها فى بعضٍ بحكمِ الجوارِ أو المخالطةِ أو لأيِّ معنىً آخرَ، وإنَّما تتفاوتُ الأممُ تأثيراً وتأثُّراً بمدى قوَّتِها وأصالةِ هُوِيَّتِها، وثباتِ مُكوِّناتِ هذه الهُوِيَّةِ لدى أبنائِها.

ولا يختلف اثنان فى أنَّ اللغة تشكِّلُ جسراً للتَّواصلِ والتَّلاقى بين الشُّعوبِ والمجتمعاتِ، ومن خلالِها يتمُّ تبادلُ المعارفِ والثَّقافاتِ والحضاراتِ؛ ومن ثمَّ فإنَّ تعلُّمَها من أسبابِ تكوينِ العقليَّةِ المفكِّرةِ، واكتسابِ المهاراتِ الحياتيَّةِ اللَّأزمةِ، ومن أدواتِ ملاحقةِ التَّطوُّرِ المتسارعِ، ومواجهةِ تحديَّاتِ العصرِ بفكرِ واعٍ وعقلٍ مستنيرٍ.

ولا جدال فى أنَّ دورَ الأزهرِ الثَّابتَ كأحدِ أهمِّ المؤسَّساتِ الدِّينيَّةِ والمراكزِ العلميَّةِ فى العالمِ هو الاهتمامُ بنشرِ الثَّقافةِ الإسلاميَّةِ وعلومِ الشَّريعةِ الإسلاميَّة واللُّغةِ العربيَّةِ لجمهورِ المسلمين سواءٌ النَّاطقين بالعربيَّة أم النَّاطقين بغيرها، فقد وردَ فى القانون رقم 103 لسنة 1963 أنَّ الغرضَ الأساسيَّ من إنشاءِ الأزهرِ هو «حفظُ التُّراثِ الإسلاميِّ ودراستُه ونشرُه، وحملُ أمانةِ الرِّسالةِ الإسلاميَّةِ إلى كلِّ الشُّعوبِ، والعملُ على إظهارِ حقيقةِ الإسلامِ وأثرِه فى تقدُّمِ البشرِ ورقيِّ الحضارةِ وكفالةِ الأمنِ والطُّمأنينةِ وراحةِ النَّفسِ لكلِّ النَّاسِ فى الدُّنيا والآخرةِ»، والأزهرُ منذُ إنشائِه وحتَّى اليوم هو كعبةُ العلمِ الحصينةِ الَّتى يؤمُّها أبناءُ المسلمين من أنحاءِ العالمِ ويقصدونه بهدفِ تعلُّمِ اللُّغةِ العربيَّةِ والعلومِ الإسلاميَّةِ، وتنظرُ إليه الدُّولُ الإسلاميَّةُ نظرةَ إجلالٍ وتكريمٍ باعتباره منارةً للإسلامِ، ومصدراً أساسياً لتعليمِ اللُّغةِ العربيَّةِ، لغةِ القرآنِ.

وارتباطُ المسلمين من النَّاطقين بغيرِ العربيَّةِ بهذه اللُّغةِ ارتباطٌ دينيٌّ وعقديٌّ؛ إذ إنَّهم فى حاجةٍ ماسَّةٍ مع رغبةٍ صادقةٍ إلى معرفةِ جوانبِ الثَّقافةِ العربيَّةِ الإسلاميَّةِ كتلاوةِ القرآنِ الكريمِ، وفهمِ آياتِه، ومعرفةِ أسرارِه وأحكامِه، وإتقانِ شعائرِ الإسلامِ كالصَّلاةِ، وذكرِ اللهِ تعالى، وتسبيحِه، والدُّعاءِ بما وردَ عن النَّبيِّ (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)، ومعرفةِ الفكرِ الإسلاميِّ المستنيرِ، والجوانبِ المضيئةِ فى الحضارةِ الإسلاميَّةِ وتأثيرِها فى الحضاراتِ العالميَّةِ.

ولمَّا كانَ هذا لا يتمُّ إلَّا بتعلُّمِ اللُّغةِ العربيَّةِ وإتقانِها، فإنَّ تعلُّمَ هذه اللُّغةِ يصيرُ واجباً وضرورةً؛ فما لا يتمُّ الواجبُ إلَّا به فهو واجبٌ، ولقد أفتى الإمامُ الشَّافعيُّ فى كتابِه «الرِّسالة» بأنَّ تعلُّمَ العربيَّةِ فرضٌ على كلِّ مسلمٍ عربيّاً كان أم أعجمياً، كما قرَّرَ الفقهاءُ اشتراطَ اللُّغةِ العربيَّةِ لصحَّةِ خطبةِ الجمعةِ.

إنَّ اهتمامَ الأزهرِ الشَّريفِ بأمرِ اللُّغةِ العربيَّةِ، وإحيائِها فى قلوبِ أصحابِها ومحبِّيها، يأتى من دورِه كحارسٍ أمينٍ على اللُّغةِ العربيَّةِ، شرَّفَه اللهُ بحمايتِها فلم ينجحْ مستعمرٌ فى تغييرِ لسانِ أهلِ مصر، وظلَّت محتفظةً بهويَّتِها اللُّغويَّةِ والثَّقافيَّةِ بفضلِ الأزهرِ الشَّريفِ.

إنَّ المحافظةَ على الهويَّةِ اللُّغويةِ واجبٌ على الأفرادِ والمؤسَّساتِ على السَّواء، فهى أحدُ مكوِّناتِ «الشَّخصيَّة القوميَّةِ»، وفى ضوءِ هذا يعمل الأزهر على تحمُّل الأمانةِ اللغويَّةِ إلى جانبِ الأمانةِ الشَّرعيَّةِ.

وانطلاقاً من هذه الأمانةِ يأتى دور الأزهرِ الشَّريفِ فى نشرِ رسالةِ تعليم اللغة العربية، وتعميقِ حبِّها فى النُّفوسِ، وإبرازِ دورِه العالميِّ وجهودِه فى الدَّاخلِ والخارجِ، وتعزيزِ اللُّغةِ العربيَّةِ، ودعمِ الإبداعِ والمبدعين فى جميعِ أنحاءِ العالمِ؛ من خلال إنشائه كليَّاتِ اللُّغةِ العربيَّةِ والعديدَ من الأقسامِ بكليَّاتِ التَّربيةِ، ولم يعتنِ الأزهرُ بالنَّاطقين بها فحسب؛ بل اهتمَّ بتعليمها وتدريسها لغيرِ النَّاطقين بها، كما أنشأَ مراكزَ لتعليمِ اللُّغةِ العربيَّةِ لغير النَّاطقين بها، فضلاً عن استقبالِه نحو 40 ألف طالبٍ سنويّاً يعلِّمُهم علومَ الدِّينِ واللُّغةِ، ويرسلُ البعثاتِ لدولِ العالمِ للغرضِ نفسه.

ومن هنا يأتى حرصُ مؤسَّسةِ الأزهرِ الشَّريفِ على تعليمِ أبنائِها اللُّغاتِ المختلفةَ أيضاً إيمانِا عميقاً بأنَّ الشُّعوبَ الواعيةَ عليها أن تعملَ بجدٍّ حتَّى تنمِّيَ لدى أبنائِها ثقافةَ الحرصِ على الإلمامِ بأكثرَ من لغةٍ، وهو ما أكَّدتْه رؤيةُ مصرَ 2030م، الَّتى جاءتْ لتعكسَ الخطَّةَ الاستراتيجيَّةَ طويلةَ المدى للدَّولةِ المصريَّةِ وقيادتِها الرَّشيدةِ لتحقيقِ مبادئِ التَّنميةِ المستدامةِ وأهدافِها، والَّتى انطلقَ من خلالِها الأزهرُ الشَّريفُ لعقدِ شراكاتٍ مع مؤسَّساتٍ علميَّةٍ لتنميةِ تعليمِ وتعلُّمِ اللُّغاتِ الأخرى لدى أبنائِه من المعلِّمين والطُّلَّابِ، لتعزيزَ قدراتِهم على تعلُّمِ اللُّغات وتمكينِهم من فهمِها ونطقِها كما ينطقُها أهلُها مما ينعكسُ أثرُه على الطُّلَّابِ ومن ثمَّ على المجتمعِ، ممَّا سيكونُ له أعظمُ الأثرِ على الطُّلَّابِ ليكونوا خيرَ سفراءَ للأزهرِ.

وهذا يؤكد أن جهودُ الأزهرِ الشَّريفِ ستظلُّ علامةً بارزةً فى التَّاريخِ فى الحفاظِ على الهويَّةِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ، وستظلُّ جهودُ فضيلةِ الإمامِ ورؤيتُه الثَّاقبةُ وسعيُه الدَّؤوبُ فى سبيلِ الحفاظِ على اللُّغةِ العربيَّةِ من الاندثارِ كسائرِ اللُّغاتِ، من خلالِ إنشائِه مراكزَ تعليمِ اللُّغةِ العربيَّةِ لغيرِ النَّاطقين بها تجسيداً حقيقيّاً لذلك الاهتمامِ المتزايدِ وتخريجِ الآلافِ من الوافدين، ليكونوا سفراءَ للُّغةِ العربيَّةِ كلٌّ فى بلدِه، ما يجسِّدُ جهوداً مخلصةً للأزهرِ الشَّريفِ وإمامِه الجليلِ.

وإنَّ ممَّا يقومُ به الأزهرُ الشَّريفُ تجاهَ تراثِ الأمَّةِ ولغتها لا يقفُ عند حفظِه، وإنَّما يؤمنُ الأزهرُ أنَّ التُّراثَ يناسبُ الإنسانَ فى حياتِه المتجدِّدةِ، ويعالجُ مشكلاتِه الرَّاهنةَ، ويُسايرُ وَعيَه المعاصرَ، ويدورُ مع فكرِه المتطوِّرِ؛ ومِن ثمَّ فإنَّ الأزهرَ يتعاملُ مع التُّراثِ من خلالِ أمرين، أوَّلهما: هضمُ التُّراثِ هضماً جيِّداً، والتَّعرُّفُ على التُّراثِ حقَّ المعرفةِ، واستيعابُه بالشَّكلِ الصَّحيحِ، حتَّى نستطيعَ التَّواصلَ البنَّاءَ مع منابعِ ثقافتِنا وروافدِها، فالارتباطُ بالجذورِ مسألةٌ مؤثِّرةٌ فى ثباتِ هويَّةِ الشَّبابِ أمامَ الغزوِ الثَّقافيِّ الَّذى يتعرَّضون له فى كلِّ وقتٍ، وثانيها: معاصرةُ الواقعِ الحاليِّ ومواكبةُ التَّطوُّرِ العلميِّ والمعرفيِّ؛ لذا يجبُ علينا جميعاً أن نهيِّئَ الشَّبابَ ونوجِّهَه للتَّعامُلِ مع مكوِّناتِ التُّراثِ بمنحًى يمكِّنُهم من التَّواصلِ الفعَّالِ مع منجزاتِه جنباً إلى جنبٍ مع مواكبةِ العصرِ، فلا يتخلَّفون عن ركبِه الحضاريِّ.

وإنَّ ممَّا ينبغى الحذرُ منه أن تجرَّنا الحداثةُ إلى تغييرِ الثَّوابتِ، أو التَّخلِّى عن أيِّ مبدأٍ من مبادئِ الإسلامِ، أو الأحكامِ الشَّرعية المقرَّرةِ، أو هجرِ النُّصوصِ، أو النَّظرِ إليها على أنَّها نصٌّ تاريخيٌ لا يتجاوزُ زمانَه ولا مكانَه، أو حصرِ الخطابِ الدِّينيِّ فى العباداتِ والأحوالِ الشَّخصيَّةِ، أو غير ذلك مِن نتائجَ تناقضُ فطرةَ الأمَّةِ، وتتعارضُ مع هويَّتِها المميِّزةِ لها.

وإذا كنَّا نقرُّ بأهميةِ الارتباطِ والتَّعلُّقِ بالتُّراثِ واللغة؛ لما له من أثرٍ فى تكوينِ هُوِيَّةِ الشَّبابِ الَّذين هم عمادُ المستقبلِ، ولما له من أثرٍ واضحٍ فى صدِّ أيِّ عُدوانٍ فكريٍّ على الأمَّةِ وثوابِتِها؛ فإنَّ علينا أن نوجِّهَ الشَّبابَ إلى التَّعاملِ مع التُّراثِ بطريقةٍ متوازنةٍ تستخرجُ منه كنوزَه المخبوءةَ، لكن مع عدمِ إغفالِ الواقعِ، وأن نعملَ على بناءِ الشَّخصيَّةِ الوطنيَّةِ ذاتِ المكوِّناتِ الصُّلبةِ الَّتى تستعصى على الذَّوبانِ أو الاختراقِ فهذه مهمةٌ قوميَّةٌ وطنيَّةٌ بامتيازٍ.

وأحبُّ أن أشيرَ إلى أنَّ اللُّغةَ العربيَّةَ أوسع من أن تختصرَ فى مسألةٍ أو مسألتين، أو كتابٍ أو كتابين، فاللُّغة وعاء الفكرِ والثَّقافةِ والقيمِ والتَّاريخِ، وأهلُها ومحبُّوها لهم من هذا كلِّه النَّصيب الأوفى، أو هكذا يجب أن يكون!.

 

 

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2026 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg