أغرب ما فى زيارة الملك تشارلز الثالث إلى الولايات المتحدة الأمريكية، آخر أبريل، أنه دخل مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى نوع من المعايرة لا تختلف عن معايرات النساء مع النساء فى الحارات الشعبية، لولا أن هذا رئيس أقوى دولة فى العالم، بمثل ما إن ذاك ملك متوج على رأس بلد كان أقوى إمبراطورية من قبل!.
المعايرة التى أطلقها ترامب وهو يلقى كلمته فى حضور الملك ليست جديدة، فمن قبل عايرت بها المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية فرنسا، وعندما يأتى ترامب ليستخدمها هى نفسها فى معايرة البريطانيين، فهذا معناه أن الولايات المتحدة يمكن أن تستخدمها فى معايرة أى بلد أوروبى فى القارة الأوروبية كلها.
كانت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية قد وجّهت الكلام للفرنسيين من فترة قائلة ما معناه، أنه لولا الأمريكيين لكان الفرنسيون يتحدثون الألمانية الآن.
والقصد أن المانيا النازية كانت فى الحرب العالمية الثانية قد احتلت فرنسا، وكانت قد احتلت بلاداً أوروبية أخرى بخلاف فرنسا، ولولا أن الولايات المتحدة قد تدخلت فى الحرب وهزمت الألمان، ما كانوا قد خرجوا من فرنسا ولا من غير فرنسا، وكانوا قد فرضوا لغتهم على الفرنسيين، وكان الفرنسيون الآن يتحدثون بلسان ألمانى.
ابتلعها الفرنسيون وقتها وسكتوا، ولم يدخلوا فى جدل عقيم من هذا النوع، وأدركوا أن "لولا" هذه لا تفيد فى شىء لأنها تتحدث عن شىء مضى وانقضى.
عاد الملك تشارلز ليستعمل الأسلوب نفسه، عندما كان يلقى كلمته خلال زيارته، فألمح الى أن الأمريكيين كان من الوارد أن يتحدثوا الفرنسية اليوم، وأن بريطانيا العظمى أو التى كانت عظمى ذات يوم حين كانت إمبراطورية هى التى منعت ذلك ووقفت فى طريقه.
ومرة أخرى نجد أنفسنا أمام "لولا" التى قيل إنها مثل "لو" التى تفتح عمل الشيطان، وإلا، فماذا سيفيد فى شىء أن يعرف الأمريكيون من الملك أن تنافساً بين بريطانيا وفرنسا جرى فى ماضى الأيام على استعمار الولايات المتحدة قبل أن تكون ولايات متحدة بالصورة التى نراها ونعرفها، وأن بريطانيا هى التى منعت الفرنسيين.
وكأنه كان يقول إن الإنجليز احتلوا الولايات المتحدة ذات يوم، وإن الأمريكيين يجب ألا ينسوا ذلك، وأن يضعوه فى الاعتبار كلما جاءوا ليتعاملوا مع الإنجليز!.
استعمار يعاير استعماراً، واحتلال قديم يعيد تذكير بعضه البعض بما كان، بينما العالم أحوج ما يكون إلى إنفاق الجهد فى حل مشكلاته وأزماته التى تزداد وتتفاقم يوماً بعد يوم، وبسبب يعود فى الكثير من الحالات إلى هذين الفريقين: الأمريكيون والإنجليز معاً.
سليمان جودة