فى إطار متابعة وحدة اللغة العبرية بمرصد الأزهر المستمرة لما يُنشر فى وسائل الإعلام بشأن التطورات الجارية فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، يرصد هذا التقرير ما ورد فى صحيفة "هآرتس" العبرية حول التحولات المتسارعة التى تشهدها منطقة شمال الضفة الغربية، فى ظل السياسات الاستيطانية التى تنفذها حكومة الاحتلال اليمينية الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو. ويكتسب هذا التقرير أهمية خاصة بالنظر إلى ما يكشفه من توجهات سلطات الاحتلال التى تستهدف إعادة تشكيل الواقع الجغرافى والديموجرافى فى شمال الضفة الغربية، من خلال إعادة إحياء مستوطنات سبق إخلاؤها، وإنشاء مستوطنات جديدة فى مناطق ذات أهمية إستراتيجية، إلى جانب توسيع الوجود العسكرى والبنية التحتية الداعمة للمشروع الاستيطانى.
ونستعرض فيما يلى أبرز ما ورد فى التقرير العبرى الذى أعده الصحفيون "يردان ميخائيلى" و"متان جولان" و"ينيف كوبوفيتش": إعادة رسم الخريطة الاستيطانية لشمال الضفة يرى التقرير أن حكومة الاحتلال لا تكتفى بإعادة إحياء المستوطنات الأربع التى أُخليت ضمن خطة الانفصال عام 2005، بل تعمل على إنشاء شبكة استيطانية جديدة تضم 18 مستوطنة تقع فى مناطق إستراتيجية شمال الضفة الغربية.
وبحسب التقرير، فإن هذه الخطوات تعنى عملياً عودة الوجود الاستيطانى إلى مناطق ظلّت لعقدين تقريباً خالية من المستوطنين، وهو ما يغيّر الواقع الديموغرافى والأمنى فى شمال الضفة الغربية. مستوطنة "حومش".. من بؤرة مخالفة للقانون إلى رمز للمشروع الاستيطانى يفرد التقرير مساحة خاصة للحديث عن مستوطنة "حومش"، باعتبارها نقطة الانطلاق الرئيسة لمشروع العودة إلى مستوطنات شمال الضفة الغربية.
ووفقاً للصحيفة، فقد تحولت "حومش" خلال السنوات الماضية إلى رمز سياسى وأيديولوجى لدى تيار المستوطنين، حيث واصل نشطاء حركة "حومش أولاً" وجودهم فى الموقع رغم القيود القانونية المفروضة بعد الانفصال عام 2005، قبل أن ينجحوا تدريجياً فى حشد دعم سياسى داخل الكنيست والحكومة. ويرى التقرير أن إعادة إحياء "حومش" لم تكن مجرد خطوة استيطانية محدودة، بل مثلت انتصاراً سياسياً للحركة الاستيطانية ومقدمةً لإعادة المستوطنات الأخرى التى أُخليت سابقاً.
من إعادة أربع مستوطنات إلى إنشاء 14 مستوطنة جديدة، ويشير التقرير إلى أن حكومة الاحتلال لم تكتفِ بإعادة إحياء المستوطنات الأربع التى أُخليت خلال خطة الانفصال عام 2005، وهى: حومش، وشانور، وغانيم، وكديم، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر اتساعاً من خلال المصادقة على إنشاء 14 مستوطنة جديدة فى مناطق إستراتيجية بشمال الضفة الغربية.
ووفق رؤية الصحيفة، فإن هذه الخطوة لا تستهدف فقط توسيع الوجود الاستيطانى، وإنما تهدف إلى إعادة رسم الخريطة الجغرافية للمنطقة عبر إنشاء طوق استيطانى يقطع التواصل بين التجمعات الفلسطينية ويعزز سيطرة الاحتلال الصهيونى على مساحات واسعة من الأراضى، الأمر الذى يثير مخاوف متزايدة من تداعياته السياسية والأمنية على مستقبل الضفة الغربية. إلغاء قانون الانفصال.. نقطة التحول فى مشروع العودة إلى شمال الضفة يشير معدو التقرير إلى أن التيار الاستيطانى نجح خلال السنوات الأخيرة فى توسيع نفوذه داخل الحكومة والكنيست وبالأخص داخل حزب الليكود، وهو ما سمح بتحويل مطالب كانت تُعتبر سابقاً هامشية إلى قرارات حكومية رسمية.
ويعتبر التقرير أن إلغاء قانون الانفصال عام 2023 شكّل نقطة تحول مفصلية، إذ فتح الباب أمام عودة المستوطنين إلى مناطق كانت محظورة عليهم منذ عام 2005. دور جيش الاحتلال هذا وركزت هآرتس على أن المشروع لا يقتصر على البناء الاستيطانى فقط، بل يتطلب بنية أمنية واسعة تشمل نشر قوات إضافية، وإنشاء قواعد عسكرية جديدة، وتأمين طرق التفافية، وحماية المستوطنات والبؤر الجديدة. ويؤكد التقرير أن المؤسسة العسكرية الصهيونية تدرك أن هذه الإجراءات قد تزيد من احتمالات الاحتكاك والتوتر مع الفلسطينيين. مخاوف من تفجير الوضع الأمنى أحد أهم محاور التقرير يتمثل فى التحذير من التداعيات الأمنية. فبحسب هآرتس، فإن إدخال مستوطنين إلى مناطق تضم أكثر من 720 ألف فلسطينى، بعد غياب دام عشرين عاماً، قد يؤدى إلى تصاعد الاحتكاكات اليومية بين الجانبين، ويخلق بيئة خصبة لاندلاع موجات جديدة من العنف.
الدلالات السياسية لهذا المشروع الاستيطانى أولاً:
فى الداخل الصهيونى يُظهر التقرير حجم النفوذ المتزايد للتيار الاستيطانى داخل حكومة الاحتلال الحالية، ويعكس نجاح المستوطنين فى تحويل مطالب تاريخية إلى سياسات رسمية، ويكشف عن توافق متزايد بين بعض دوائر الحكومة والحركة الاستيطانية بشأن مستقبل الضفة الغربية.
ثانياً: الجانب الفلسطينى تنظر الأوساط الفلسطينية عادة إلى هذه الخطوات باعتبارها توسعاً استيطانياً يهدد الأراضى المخصصة للدولة الفلسطينية المستقبلية. من المتوقع أن تؤدى هذه التطورات إلى زيادة التوتر بين السكان الفلسطينيين من جهة وقوات الاحتلال والمستوطنين من جهة أخرى.
ثالثاً: إقليمياً ودولياً قد تثير خطط التوسع الاستيطانى انتقادات دولية جديدة، خصوصاً من الأطراف التى تعتبر المستوطنات المقامة فى الضفة الغربية مخالفة للقانون الدولى. كما قد تؤثر على أية جهود سياسية مستقبلية مرتبطة باستئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية. وفى النهاية، يمكن اعتبار أن تقرير صحيفة هآرتس يُقدم صورة لعملية يصفها بأنها واحدة من أكبر عمليات إعادة تشكيل الواقع الجغرافى والسياسى فى شمال الضفة الغربية منذ خطة الانفصال عام 2005.
ويرى معدو التقرير أن المشروع الاستيطانى الجديد لا يقتصر على إعادة أربع مستوطنات أُخليت سابقاً، بل يشمل بناء منظومة استيطانية وأمنية متكاملة تهدف إلى ترسيخ وجود المستوطنين فى عمق شمال الضفة الغربية، فى خطوة قد تحمل تداعيات أمنية وسياسية بعيدة المدى على مستقبل المنطقة والصراع الفلسطينى الصهيونى.
ومن جانبه، يحذّر مرصد الأزهر لمكافحة التطرف من خطورة ما تكشفه التقارير الإسرائيلية بشأن التوسع الاستيطانى المتسارع فى شمال الضفة الغربية، والذى يأتى فى إطار مخطط أوسع يستهدف فرض وقائع جديدة على الأرض الفلسطينية المحتلة، وتكريس السيطرة على المزيد من الأراضى عبر الاستيطان والانتشار العسكرى ومصادرة الأراضى، بما يؤدى إلى تقويض الوجود الفلسطينى وتفتيت التواصل الجغرافى بين المدن والبلدات الفلسطينية، ويهدد بتصفية أى أفق لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة. ويؤكد المرصد أن استمرار هذه السياسات يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولى وقرارات الشرعية الدولية، بمزيد من التوتر وعدم الاستقرار فى المنطقة، داعياً المجتمع الدولى إلى اتخاذ موقف حازم ويُنذر لوقف المخططات الاستيطانية ومحاسبة سلطات الاحتلال على ما ترتكبه من انتهاكات بحق الشعب الفلسطينى، والعمل على توفير الحماية اللازمة للمدنيين الفلسطينيين وصون حقوقهم المشروعة فى أرضهم ووطنهم.
** وحدة الرصد باللغة العبرية