بين فضيلة الإمام وإيلون ماسك.. الإعلام والذكاء الاصطناعي إلى أين؟

| 09 أغسطس 2026 م

بين فضيلة الإمام وإيلون ماسك.. الإعلام والذكاء الاصطناعي إلى أين؟

  • | الأحد, 19 يوليه, 2026
بين فضيلة الإمام وإيلون ماسك.. الإعلام والذكاء الاصطناعي إلى أين؟
د. سامح عبدالغني.. وكيل كلية الإعلام - جامعة الأزهر

سؤال يحتاج إلى إجابة واضحة تحدد هل تحول الذكاء الاصطناعى من نعمة إلى نقمة؟ وهل انتهى عصر الانبهار بتقنيات الذكاء الاصطناعى وأصبحنا نعيش حالة من الهلع تخوفًا من مخاطره على البشرية، وتوغله فى حياة الإنسان، وانسلاخه من القيم الأخلاقية والإنسانية؟ وما مخاطر استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى فى العمل الإعلامى؟ تساؤلات مهمة انبثقت من تطورات متسارعة، ورؤى وأطروحات متعددة، وتصريحات تحتاج إلى التعمق فيها حيال الذكاء الاصطناعى.

هناك تصريحان يجسدان الوضع الراهن لتطورات الذكاء الاصطناعى، التصريح الأول لفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الذى سلط الضوء على جانب من الجوانب المهمة، وهى «أخلاقيات توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعى» فى شتى المجالات ومنها المجال الإعلامى، حيث أكد فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب فى أثناء استقباله للأمين العام للأمم المتحدة بمشيخة الأزهر لإطلاق مبادرة الأمم المتحدة للذكاء الاصطناعى والتنمية المستدامة أن التطور المتسارع فى تقنيات الذكاء الاصطناعى يثير «مخاوفً حقيقية» بشأن تأثيره على القيم الأخلاقية والإنسانية، لافتًا النظر إلى أن الاعتماد المفرط على هذه الأدوات بدأ ينعكس سلباً على التفكير والإبداع، بل أصبح وسيلة لترسيخ بعض السلوكيات السلبية، والتحايل على القيم، وسرقة جهود الآخرين، محذرًا من أن غياب منظومة أخلاقية حاكمة تحكم عمل الذكاء الاصطناعى قد يقود العالم إلى مستقبل تتراجع فيه كرامة الإنسان، وتتآكل فيه المبادئ التى جاءت بها الرسالات السماوية، وقد يؤدى الاستخدام المتسارع لهذه التقنيات -بلا ضوابط أخلاقية- إلى تفريغ العقول، وإضعاف الإنسان، وتهديد مستقبل البشرية بأسرها.

وعلى الجانب الآخر، صرح إيلون ماسك قائلًا: «سنزرع فى عقول البشر شرائح سيبرانية ستعطيهم قوى خارقة.. المشلول سيمشى، والأعمى سيبصر، والأخرس سيتكلم»، وهو تصريح يوضح بجلاء أن الذكاء الاصطناعى يمضى قدماً وبخطوات متسارعة نحو انجرار البشرية إلى المجهول.

وبالتعمق فى هذين التصريحين نجد أن تصريح فضيلة الإمام الأكبر يضع الأمور فى نصابها الصحيح، ويزن الأمور من منطلق أخلاقى وإنسانى يراعى الجوانب الأخلاقية والقيمية، والمصالح العليا لبنى البشر.

وعلى خلاف ذلك فإن «تصريح إيلون ماسك» يفتح الطريق واسعًا أمام الاستخدام المفرط لهذه التقنيات دون تقيد بجوانب أخلاقية أو قيمية، وهو تصريح يطلق سراح التكنولوجيا لتعبث فى البشرية دون قواعد حاكمة أو ضوابط ملزمة.

ومن بين ثنايا هذه التصريحات يتضح جليًا أننا أمام واقع جديد، وتحد بالغ الخطورة يتمثل فى توغل تقنيات الذكاء الاصطناعى فى شتى مناحى الحياة، وأن هناك «مخاطر جمة» جراء الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعى.

ومن بين هذه المخاطر التى ترتبط بالمجال الإعلامى:

١ـ قدرة هذه التقنيات على استنساخ الأصوات وانتهاك حقوق التأليف.

فعلى سبيل المثال، تزايدت مخاوف السينما الفرنسية بسبب تقنيات الذكاء الاصطناعى التى تقوم باستنساخ صور الممثلين وأصواتهم، بعدما قامت بعض البرمجيات الصينية بانتهاكات حقوق التأليف، ونشر تسجيل مصور ضمن مجموعة واسعة من التسجيلات المولدة بالذكاء الاصطناعى، والتى تظهر مواجهة بين توم كروز وبراد بيت أحدثت انتشارًا واسعًا بين الجمهور، فى ظل انتشار استنساخ أصوات الممثلين والممثلات دون إذن.

٢- ومن المخاطر ـأيضًا- تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعى بما يتعارض مع مصالح المستخدمين، حيث ابتكرت شركة «أنثروبيك» إحدى الشركات الكبرى للذكاء الاصطناعى نظام «كلود» يتيح لرواد هذه التكنولوجيا التوافق على إبطاء تطورها، أو تعليقه ريثما تتمكن البشرية من التكيف معها، بعدما كشفت تسريبات من قاعدة بيانات غير مؤمنة عن مشروع جديد لدى هذه الشركة يحمل اسم Claude Mythos ووصف داخليًا بأنه يمثل مستوى غير مسبوق من المخاطر فى مجال الأمن السيبرانى.

وتزداد هذه المخاطر فى ظل سعى «إيلون ماسك» صاحب شركة «سبيس إكس» التى تضم مختبر الذكاء الاصطناعى «إكس إيه آى» إطلاق أكبر اكتتاب عام فى البورصة فى التاريخ، وهو ما يؤدى إلى تضخيم المخاطر و«تسويق الخوف».

٣- ومن أبرز المخاطر -أيضًا- التحديات المتزايدة بشأن نماذج الذكاء الاصطناعى التى تتيح مقاومة الرقابة البشرية، وقيام بعض هذه النماذج بتقديم معلومات مضللة حول أداء نماذج ذكية أخرى، أو رفض تنفيذ أوامر تؤدى إلى إيقافها، خاصة عندما تصنف تلك النماذج الذكية ضمن فئة عالية الثقة وعالية الأداء، وظهور سلوكيات لبعض النماذج تضمنت الكذب، وتضخيم النتائج، والتلاعب بالإعدادات، وتسريب بيانات حساسة، والتلاعب ببيانات تقنية، وذلك يثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن الذكاء الاصطناعى يمتلك القدرة على التلاعب بالأنظمة الاتصالية والتقنية التى لا يستطيع البشر مجاراتها.

٤- ومن بين المخاطر التى أنتجها الذكاء الاصطناعى الإعلامى انتشار المحتوى الزائف والمضامين الكاذبة، والشائعات المغرضة التى تستهدف استقرار الأمم والشعوب، وتذويب الهوية، والتحلل من القيم الأخلاقية والإنسانية، وهى مخاطر تحتاج إلى وعى رقمى للتخلص من مغباتها وآثارها المدمرة.

وفى الختام فإن هذه المبادرات التى أولاها الأزهر الشريف رعايته، وأرست قواعدها الدولة المصرية لهى سبيل النجاة من هذه المخاطر التى أحاطت بالبشرية، وحولت التقدم التقنى إلى حالة من التهديد والخوف تحتاج إلى الحلول الناجزة والمبادرات الناجحة التى تعيد التكنولوجيا إلى مسارها الصحيح لخدمة البشرية والإنسان وعمارة الأكوان فى سائر الأقطار والأزمان.
 

د. سامح عبد الغني

وكيل كلية الإعلام - جامعة الأزهر

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2026 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg