أحيت الأمم المتحدة ذكرى أكثر من 8 آلاف رجل وفتى من مسلمى البوسنة قُتلوا فى مدينة سريبرينتسا فى يوليو 1995، كما كرّمت النساء والناجين الذين واجهوا مهمة إعادة بناء حياتهم فى أعقاب تلك المأساة.
وكانت المجزرة، التى وقعت فى شرق البوسنة والهرسك، أكبر عملية قتل جماعى تشهدها أوروبا منذ محرقة (الهولوكوست)، ومن بين أكثر الفصول قتامة فى حروب البلقان التى اندلعت عقب تفكك يوغوسلافيا السابقة.
واجتاح جيش صرب البوسنة مدينة سريبرينتسا، التى كانت قد أُعلنت “منطقة آمنة” بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 819 لعام 1993.
وكان العديد من الضحايا قد لجأوا إلى مجمع الأمم المتحدة فى بوتوتشارى القريبة، طلباً للحماية، لكنهم فُصلوا عن عائلاتهم، ثم أُعدموا ودُفنوا فى مقابر جماعية.
وقُتل الرجال والفتيان من مسلمى البوسنة على يد قوات صرب البوسنة فى المدينة الواقعة شرق أوروبا، رغم أنها كانت قد أُعلنت “منطقة آمنة” بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن الدولى. واعترفت الأمم المتحدة لاحقاً بالمسئولية الجماعية عن الإخفاق فى منع وقوع الإبادة الجماعية فى سريبرينتسا.
وقال ثلاثة من الناجين إنهم يواصلون عملهم فى مركز سريبرينتسا التذكارى، بوصفهم أمناء للأرشيف فى مركز سريبرينتسا التذكارى، لضمان رواية الحقيقة الكاملة عن الإبادة الجماعية وحفظها للأجيال.
ويقع المركز على الأرض نفسها التى لجأ إليها آلاف المدنيين طلباً للحماية تحت راية قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.
شهادات الناجين
ألماسا صاليحوفيتش:
“كنت فى الثامنة من عمرى عندما نجوت من الإبادة الجماعية فى سريبرينتسا. قُتل شقيقى، كما قُتل أعمامى من جهة والدتى ووالدى. وكان عدد الضحايا 8,372 شخصاً.”
“أكثر ما يخيفنى هو إنكار ما حدث. فهناك أجيال أصغر منى تنشأ اليوم على رواية زائفة تقول إن الإبادة الجماعية لم تقع، وإنه لم تُرتكب جريمة حرب، وإن الذين قُتلوا هنا كانوا مجرد جنود. أما نحن، فنتمسك بالحقائق.”
“أؤمن إيماناً راسخاً بأن التذكر يساعد على التعافى، ويساعد على تقديم جزءاً منى لجهود تخليد الذكرى، وأن أساهم فى حفظ الذاكرة.”
أمرا بيجيتش فازليتش:
"غادرنا سريبرينتسا بين عامى 1992 و1995، لكننى قررت فى عام 2003 العودة إليها ومحاولة استئناف حياتى هنا. لم يكن الأمر سهلاً.”
“معظم من قرروا العودة كانوا يفكرون فى البقاء بالقرب من أحبائهم، واستكمال عمليات التعرف على رفاتهم، ودفنهم هنا فى المركز التذكارى، حتى يكون لدينا مكان نزورهم فيه.”
“بحسب التعريف، فإن إنكار الإبادة الجماعية هو المرحلة الأخيرة منها. لكن للأسف، فى البوسنة، أصبحنا اليوم نتحدث عن مرحلة أخرى، وهى تمجيد مجرمى الحرب.”
عزير عثمانوفيتش:
“هذا جزء من تاريخنا، ومن واجبى أن أتحدث عنه، وأن أتحدث عن الإبادة الجماعية فى سريبرينتسا، وعن كل ما عشناه هنا. إنها ليست قصتى الشخصية فقط، بل قصة آلاف الأشخاص الذين عاشوا حصار هذه المدينة.”
“المركز يحتفظ بمقتنيات شخصية للضحايا عُثر عليها فى المقابر الجماعية إلى جانب رفاتهم. هذا الحذاء يعود إلى ابن عمى. كان يبلغ من العمر 16 عاماً عندما قُتل، كما قُتل شقيقاه أيضاً.”
“على الطريق الرئيسى كان هناك حاجز، حيث جرى فصل الرجال والفتيان عن الآخرين. وبعد ذلك قُتل كثير منهم.”
كان حسن حسنوفِتش يبلغ من العمر 19 عاماً عندما سقطت سريبرينتسا فى يوليو 1995، وانضم، برفقة والده وشقيقه التوأم حسين، إلى قافلة من الرجال والفتيان حاولت الفرار عبر الغابات.
وخلال ساعات، انفصل عن أقاربه، وواصل السير وحيداً لأيام دون نوم، جائعاً وخائفاً وسط الكمائن وعمليات الإعدام والقصف المدفعى.
وقال “حسنوفِتش”، رئيس برنامج التاريخ الشفهى فى مركز سريبرينتسا التذكارى، خلال كلمة ألقاها فى قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة:
“لم يكن يدفعنى إلى الاستمرار سوى الخوف.”
وأضاف:
“بعد سنوات، وبعد انتشال رفاتهما من المقابر الجماعية، دفنت والدى وشقيقى التوأم بيدى. لم يكن هناك شىء يمكن أن يهيئنى لتلك اللحظات.”
وكانت أمينة سينانوفيتش تبلغ من العمر خمس سنوات فقط عندما فقدت والدها وجدها وعمها فى مجزرة سريبرينتسا.
وقالت “سينانوفيتش”:
“بالنسبة لكثير من الناس، سريبرينتسا جزء من التاريخ. أما بالنسبة لى، فهى كل يوم من حياتى. إنها جدار غير مرئى يقف بينى وبين والدى، جدار بناه الحقد وانعدام الإنسانية.”
وأضافت أن والدها “موريز”، البالغ من العمر 32 عاماً، قُتل فى 13 يوليو 1995.
تحذيرات الأمم المتحدة
قال الأمين العام للأمم المتحدة إنه:
“بعد سريبرينتسا قال العالم مرة أخرى: لن يتكرر ذلك أبداً.”
وأضاف فى رسالة تلاها رئيس ديوان مكتبه، إيرل كورتيناى راتراى:
“لكننا نعلم أن خطاب الكراهية آخذ فى الارتفاع، وهو يغذى التمييز والتطرف والانقسام. كما يجرى تمجيد مجرمى الحرب المدانين.”
وشدد على ضرورة عدم تجاهل هذه المؤشرات التحذيرية، قائلاً:
“يجب أن نتحرك مبكراً، فالوقاية مسئوليتنا المشتركة، وهى أقوى وسيلة لحمايتنا.”
وقال تشالوكا بيانى، مستشار الأمم المتحدة الخاص المعنى بمنع الإبادة الجماعية، إن المجزرة:
“ستظل إلى الأبد عبئاً ثقيلاً على الضمير الجماعى للمجتمع الدولى والأمم المتحدة والتاريخ الحديث لعالمنا.”
ودعا إلى الوقوف دقيقة صمت تكريماً للضحايا، وكذلك النساء والفتيات اللواتى تعرضن للتهجير القسرى وعانين من التعذيب فى أعقاب المجزرة.
وأكد دينيس بيتشيروفيتش، رئيس هيئة رئاسة البوسنة والهرسك، ضرورة الدفاع عن نزاهة القانون الدولى وسلطة المؤسسات الدولية أكثر من أى وقت مضى.
وقال:
“يجب ألا نسمح بأن تصبح الحقائق التى ثبتتها أحكام المحاكم موضوعاً للحسابات السياسية.”
وأضاف أن:
“إنكار الإبادة الجماعية بحق البوسنيين هو فعل مناهض للحضارة. إنه إهانة للموتى وتهديد جديد للأحياء.”
بدورها، قالت أنالينا بيربوك، رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن الإبادة الجماعية، كما شهد العالم فى سريبرينتسا ورواندا وأماكن أخرى:
“لا تبدأ بالمقابر الجماعية، بل تبدأ بالكراهية والتمييز، ومحاولات تقسيم الناس إلى “نحن” و”هم”، والسياسات والخطابات التى تجرد الناس من كرامتهم.”
ودعت فى رسالة عبر الفيديو المجتمع الدولى إلى ضمان ألا تكون عبارة:
“لن يتكرر ذلك أبداً مجرد كلمات نرددها، بل وعداً نلتزم به.”
وكانت محكمتان دوليتان تابعتان للأمم المتحدة، هما محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة، قد أقرتا بأن الأفعال المرتكبة فى سريبرينتسا شكّلت إبادة جماعية.
ويشار إلى أن هذه هى السنة الثانية التى تحيى فيها الأمم المتحدة اليوم الدولى للتفكر فى الإبادة الجماعية التى وقعت فى سريبرينتسا فى عام 1995 وإحياء ذكراها، الذى يصادف 11 يوليو.
ياسر لطفى