من "سربرنيتسا" إلى "غزة".. التواطؤ مع الإبادة يعنى تكرارها؟

| 09 أغسطس 2026 م

من "سربرنيتسا" إلى "غزة".. التواطؤ مع الإبادة يعنى تكرارها؟

  • | الخميس, 16 يوليه, 2026
من "سربرنيتسا" إلى "غزة".. التواطؤ مع الإبادة يعنى تكرارها؟
أحمد الصاوي .. رئيس تحرير جريدة صوت الأزهر

أحمد الصاوى
 

في صباح الحادى عشر من يوليو من العام ١٩٩٥، كانت آلاف الأمهات فى مدينة سربرنيتسا البوسنية يعتقدن أن العلم الأزرق للأمم المتحدة، والقرارات الدولية، ووجود قوات حفظ السلام، كفيلة بأن تحول بينها وبين الكارثة؛ لكن ما إن انتهى ذلك اليوم حتى كانت المدينة قد تحولت إلى أكبر مقبرة جماعية شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وسقط أكثر من ثمانية آلاف بوسنى، بينما وقف العالم شاهداً على جريمة كان يعرف أنها قادمة، لكنه لم يفعل ما يمكن لمنعها.

وبعد ثلاثين عاماً، كانت أمهات غزة يعلّقن أملاً مشابهاً على القانون الدولي، واتفاقيات جنيف، والأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية، وعلى الضمير الإنسانى الذى ظل الغرب يحدث العالم طويلاً عن عالميته وعدالته. لكن الأشهر الطويلة من القصف والقتل والنزوح والتجويع والدمار التى حولت القطاع إلى أكبر مقبرة جماعية فى التاريخ كشفت، مرة أخرى، أن التواطؤ مع الإبادة لا يردعه قانون.

المقارنة بين «سربرنيتسا» و«غزة».. ليست مقارنة بين حدثين متطابقين فى تفاصيلهما التاريخية أو القانونية، وإنما بين نمطين متشابهين من الجرم والتواطؤ والفشل الإنسانى والسياسى؛ فللكل منهما ظروفه وسياقه، غير أن كليهما يثير السؤال نفسه: كيف يرى العالم الكارثة وهي تتشكل أمام عينيه، ثم لا يتحرك إلا بعد أن تصبح حقيقة لا يمكن إنكارها؟

حول الغرب عبارة «لن يتكرر ذلك أبداً» إلى واحدة من أكثر العبارات حضوراً فى الخطاب السياسي الغربى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكنها أكثر عبارة انتهكت بالتكرار، وتكررت بالتواطؤ، وانتهت بالمقابر، وتحولت إلى ذكرى تنشط فيها الخطابة الأخلاقية والحقوقية.

فى «سربرنيتسا» لم تكن المذبحة مفاجئة، كانت تقارير الاستخبارات موجودة، وكانت الأمم المتحدة تعلم أن «المنطقة الآمنة» لم تعد آمنة، وكانت المؤشرات كلها تنذر بكارثة وشيكة.. لكن الإرادة السياسية غابت، أو تواطأت، وترددت، وخضعت لانحيازات القوة والنفوذ. وحين انتهت المجزرة، بدأت مرحلة الاعتذارات. اعترفت الأمم المتحدة بفشلها، واعترف قادة أوروبيون بأن المجتمع الدولي خذل الضحايا، وصارت «سربرنيتسا» رمزاً عالمياً للفشل فى حماية المدنيين. لكن الاعتراف، مهما بلغت صدقيته، لم يعد الحياة إلى الضحايا، ولم يمنح العدالة لمن ماتوا؛ وهم يعتقدون أن المجتمع الدولي سيحميهم.

اليوم، يبدو المشهد فى «غزة» وكأنه يطرح السؤال ذاته، بصورة أكثر قسوة. فالعالم لم يكن بحاجة إلى بعثات تقصى حقائق حتى يعرف ما يجرى، كل شيء كان يبث على الهواء مباشرة.

قصف المستشفيات والمدارس والمخيمات، وطوابير الجائعين للحصول على الغذاء، والعائلات التى تمحى بكاملها من السجل المدنى، وتحذيرات الأمم المتحدة، والمنظمات الإنسانية، والمؤسسات الطبية الدولية، كانت تتكرر بصورة تكاد تكون يومية.

أكثر ما يلفت الانتباه فى المقارنة بين الحالتين أن التواطؤ لم يكن، بالضرورة، مشاركة مباشرة فى ارتكاب الجرائم، بل كان فى كثير من الأحيان امتناعاً عن اتخاذ ما يكفى من الإجراءات لمنعها، أو الاستمرار فى تقديم أشكال مختلفة من الدعم المادى والسياسى والعسكري والدبلوماسي للطرف المعتدى رغم اتساع التحذيرات من حجم الكارثة. ويعود الصمت، والتردد، وازدواجية المعايير، لتكون من عناصر المشهد الذى سمح ويسمح بوقوع الإبادة واستمرارها.

فضحت البوسنة ومن بعدها غزة النظام الدولى القائم على التواطؤ والالتفاف على القواعد واستخدامها لتخدم القوى والمجرم والقاتل، ثم التمسح بها لإطلاق الإدانات والبيانات التى تغسل السمعة أو تحاول التشويش على الذاكرة.

إن أخطر ما خلفته غزة ليس فقط هذا الدمار الهائل، وإنما اهتزاز الإيمان العالمي بمنظومة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبالشعارات التى تأسست عليها الأمم المتحدة، وبفكرة أن المجتمع الدولى قادر - أو راغب - فى حماية المدنيين عندما تتعارض حمايتهم مع حسابات السياسة.

ومن هنا، فإن القضية الفلسطينية لم تعد مجرد نزاع إقليمي، بل أصبحت امتحاناً لصدق قيمة النظام الدولي كله، وامتحاناً لمفهوم العدالة وحقوق الإنسان، وامتحاناً للضمير الغربي الذى جعل من «سربرنيتسا» مناسبة سنوية لتجديد الاعتذار عن الماضي، بينما وجد نفسه أمام اختبار جديد فى الحاضر لا يكفى معه الاعتذار.

الندم، فى حد ذاته، فضيلة إن قاد إلى مراجعة حقيقية، لكنه مع التكرار يتحول إلى طقس سياسى يمارس بعد انتهاء كل مأساة، كوسيلة لتطهير الضمير أكثر منه تعهداً لمنع الجريمة التالية.

يبدو المشهد الغربى، فى ظل «ذكرى سربرنيتسا»، مثقلاً بمفارقة يصعب تجاهلها، كلمات مؤثرة عن الإنسانية، تقابلها سياسات معاصرة تعجز عن حماية الإنسانية عندما تكون تحت القصف.

وبعد ثلاثين عاماً على «سربرنيتسا»، لا يحتاج العالم إلى مزيد من المؤتمرات التى تتحدث عن «الظلم»، بل إلى أخلاق تحكم القرار السياسي، ولا يحتاج إلى المزيد من الاعتذارات التى تأتى فوق المقابر، بل إلى إرادة تمنع امتلاء مقابر جديدة.

إذا كانت «سربرنيتسا» قد أصبحت عنواناً لفشل المجتمع الدولى فى منع الإبادة الجماعية، فبأي عنوان سيكتب التاريخ قصة غزة؟!

 

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2026 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg