تتوالى يومًا بعد يوم «المخاطر الرقمية» التي أفرزتها البيئة الرقمية، التي تتعاظم تأثيراتها على الفرد والمجتمع، وعلى علاقات الأفراد الأسرية، وتفاعلاتهم الاجتماعية، وخصوصيتهم الفردية، وهويتهم الرقمية، وأنساقهم المعرفية والفكرية.
وكلما توغلت تقنيات الذكاء الاصطناعي في حياتنا الافتراضية، ازدادت تلك المخاطر، وأصبحت أشد فتكًا وضراوة في عالم شديد القسوة على قيم المجتمعات وركائز نهضتها وعوامل تقدمها.
لنتجول سريعًا في بحر تلك «المخاطر»، قبل أن نضع «خارطة طريق» ناجحة وفاعلة؛ للتخلص من مغباتها وتبعاتها المهلكة.
ومن أبرز المخاطر الرقمية التي تواجه إنسان اليوم:
1- مخاطر الأمن السيبراني الناتجة عن إعطاء الأفراد صورهم لتقنيات الذكاء الاصطناعي لإنشاء صور خاصة ببعض المناسبات، ومنها صور المناسبات العالمية.
من أبرز الظواهر والمخاطر التي تؤثر على خصوصية الأفراد وأمنهم الرقمي تقديم صورهم لنماذج الذكاء الاصطناعي لإنشاء صور فرعونية أو صور رياضية أو صور لشخصيات أعمال أو فنانين مشهورين؛ للحصول على مزيد من النقرات، ومواكبة الترند والأخبار الرائجة على مواقع التواصل الاجتماعي.
ويؤدي هذا المسلك إلى التلاعب بهذه الصور والفيديوهات وتوظيفها في أمور غير أخلاقية وانتهاك خصوصية الأفراد وابتزازهم، في ظل انتشار التزييف العميق الناتج عن المستخدمين لبياناتهم البيومترية لشركات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات المجهولة التي تهدد خصوصيتهم وأمنهم الرقمي، وتؤدي إلى ظهور حالة من الابتزاز الإلكتروني.
2- مخاطر التضليل الإعلامي والخوارزميات
في ظل تحول مواقع التواصل الاجتماعي لساحات للصراع القيمي والتأثير على إدراك الجمهور للأحداث والقضايا وتشكيل رؤيته حولها، ومحاولة بعض الأيديولوجيات الترويج لأفكار ورؤى تناهض أمن وسلامة المجتمعات، وتؤثر على الوعي الجمعي؛ ظهرت العديد من الشائعات والأخبار الزائفة والمعلومات المضللة التي تنشرها بعض المواقع والمنصات، وتعتمد على خوارزميات تعطي أولوية في البحث والترشيح للمحتوى العاطفي الذي يعتمد على مصادر غير رسمية، ومصادر بديلة غير موثوقة تعتمد على حسابات مجهولة، وتعمل لصالح توجهات وأجندات خارجية تفسر الواقع على غير حقيقته، وتسعى لتضليل الرأي العام، في ظل ميل بعض الأفراد لتقبل هذه المعلومات، وتصديق تفسيراتها السريعة والمبسطة، والوقوع في براثن المعلومات الخاطئة، والشائعات العابرة للحدود.
3- مخاطر الابتزاز الإلكتروني والتنمر، والخوض في الأعراض، والتشكيك في الذمم، والتحريض على العنف، والتحريض على أفعال يعاقب عليها القانون، وكلها مخاطر أفرزتها البيئة الرقمية وأدت إلى حالة من الخوف والهلع لدى الجمهور خشية وقوعه فريسة لها.
4- مخاطر الانغماس الرقمي وإدمان مواقع التواصل الاجتماعي
أدى الانخراط في مواقع التواصل الاجتماعي وكثافة الوجود عبر المنصات الرقمية إلى ظهور العديد من المخاطر، كالجنوح إلى العزلة وافتقاد التفاعل الاجتماعي الواقعي، والانهماك في الألعاب الإلكترونية، وعدم القيام بالأعباء والمهام الحياتية، والعزوف عن تحصيل العلم، والشعور بالاغتراب، والميل إلى عدم المشاركة في الأنشطة المجتمعية.
وقد أدى الإفراط في الحضور الرقمي عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى العديد من المشكلات الأسرية وانتشار الظواهر السلبية الإلكترونية، كالتحرش الإلكتروني والتفكك الأسري.
5- مخاطر انتهاك الخصوصية والهوية الرقمية
من أبرز المخاطر المرتبطة بالهوية الرقمية انتهاك الخصوصية، وذلك عند غياب الشفافية حول سياسات جمع وتخزين البيانات، ومنها بصمات الأصابع وصورة الوجه، أو موقع تخزينها، أو الجهات المخولة بالوصول إليها، وهي بيانات بالغة الحساسية والتفرد وشديدة الخطورة. وقد يتم تسريبها أو إساءة استخدامها، وقد يتم مشاركة بيانات الهوية الرقمية مع أطراف ثالثة دون علم أو موافقة الأشخاص، لتقديم خدمات أو التحقق من المعلومات أو استخدامها لأغراض تسويقية، مما يؤدي إلى التبادل الضخم وواسع النطاق لهذه البيانات، وقد يتم بيعها لتحقيق مكاسب تجارية من خلال تسليع المعلومات الشخصية دون موافقة أصحابها.
وهناك مخاطر إلكترونية واسعة النطاق، كالاحتيال الإلكتروني والتجنيد الإلكتروني والممارسات غير القانونية عبر الدارك ويب، والألعاب الإلكترونية التي تستنزف الطاقات والأوقات، وهناك مخاطر كثيرة وكثيرة لا يقتضي المقام ذكرها ولا يستطيع القلم حصرها، وإنما هي وقفات لنأمن شرها ومكرها.
ونظراً لدور الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في معضلة "التضليل الإعلامي"، فلا بد من توظيف هذه التقنيات لنشر الأخبار الحقيقية، ولا بد من تحقيق الشفافية مع المتلقي، والإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، وبيان حدود مساهمته التقنية، والمساهمة البشرية، مع الحرص على عدم الاعتماد على التزييف العميق.
ولكي يكون هناك استخدام آمن ومسؤول لمنصات التواصل الاجتماعي، لابد من تحري الدقة والتأكد من صحة المنشور ومصدره والتحقق من تاريخ النشر والسياق، وعدم الانسياق وراء العناوين المثيرة أو الحسابات المجهولة أو المقاطع المجتزأة، مع تجنب تداول المحتوى المسيء وعدم التعليق عليه.
وللحماية من الابتزاز الإلكتروني، لابد من توثيق المحتوى والرابط وتاريخ نشر المضمون ووقته، والاحتفاظ بالرسائل والملفات في صورتها الأصلية، وعدم الدخول في مساومات أو الإدلاء بإساءة مماثلة، والتقدم ببلاغ للجهات المختصة أو النيابة العامة، والتواصل الفوري مع الجهات الأمنية عند التهديد أو الابتزاز المستمر.
وهناك عدة آليات لمواجهة هذه المخاطر الرقمية؛ كتعزيز الإجراءات القانونية ضد نشر الشائعات والمعلومات المضللة، وتنظيم تدفق البيانات والمعلومات الرسمية، وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في رصد المحتوى المضلل، وتقييمه، والرد عليه، وبناء منظومة متكاملة لإدارة المعلومات، وتعزيز خطاب بث الثقة من خلال الشفافية واحتواء التضليل الإعلامي واجتثاث جذوره، وإيجاد دور أكثر وضوحاً للمؤسسات التعليمية والتربوية والثقافية لتشكيل الوعي الرقمي، وترسيخ قيم التثبت والتحري وعدم الانصياع وراء الشائعات، وبناء مهارات التحليل النقدي والتفسيري، وتشكيل الإدراك الجمعي الصحيح الذي يعد أداة فاعلة في مواجهة المخاطر الرقمية والحفاظ على هوية المجتمع وأنساقه الفكرية وقيمه الأخلاقية.
د. سامح عبدالغني
وكيل كلية الإعلام - جامعة الأزهر