تمر فئة الناشئة في مختلف المراحل التعليمية بمفترق طرق فكري وشخصي حرج، فهذه السنوات الدراسية هي الحجر الأساس الذي تتشكل فيه الهوية الوطنية والوعي السياسي والتربوي للطلاب على اختلاف أعمارهم، ومع تسارع وتيرة الأحداث الإقليمية، تطفو على السطح قضية محورية حول كيفية إعداد هذا الجيل لمدركاته ورؤاه تجاه القضية الفلسطينية وما تواجهه مصر من تحديات ومؤامرات استراتيجية.
وهل يتم ذلك عبر منهج تربوي أصيل ونقاش أسري واع، أم عبر مقاطع الفيديو السريعة على المنصات الرقمية؟
إن شد ما يواجهه جيل اليوم من مخاطر هو تحول منصات التواصل الاجتماعي إلى المرجع الأول والأخير لثقافته ومعلوماته، إذ لما تصمم هذه المنصات لبناء الوعي وتأصيله، بل اعتمدت خوارزمياتها على تقديم محتوى سريع يستهدف إثارة العاطفة وجلب الانتباه.
وعندما يستقي الطالب فهمه للقضايا المصيرية من فيديوهات لا تتعدى ثوان معدودة، يتحول الوعي لديه من تأصيل معرفي عميق إلى استهلاك سطحي مؤقت. فيغيب عنه التحليل التاريخي والسياق الجغرافي للأمن القومي، ويكون أكثر عرضة لتزييف الحقائق والانخراط في مواقف التضليل الموجهة التي تسعى لتشكيك الشباب في ثوابتهم ومؤسساتهم الوطنية.
ولا تقتصر التهديدات على الجانب الفكري والوطني فحسب، بل تمتد لتضرب التركيبة النفسية والوجدانية للطفل في مقتل، حيث يقع الناشئ تحت تأثير التغييرات المتسارعة والمتقلبة للمحتوى الرقمي، فيشاهد مقطعاً حزيناً ومؤلماً عن الأحداث فيتأثر وجدانياً بشدة، ثم يقلب الشاشة خلال لحظات ليرى مقطعاً كوميدياً ساخراً فيضحك ويلهو، وبعدها ينتقل فوراً إلى فيديو ديني أو وعظي فتهدأ أفكاره مؤقتاً، وتتكرر هذه الدائرة القسرية عشرات المرات يومياً، لتحدث تخبطاً شديداً ولخبطة حادة في مشاعره وانفعالاته.
ومن الناحية النفسية، يمثل هذا التذبذب الانفعالي السريع خطورة بالغة لأنه يرهق الجهاز العصبي ويدمر مهارة "الضبط الانفعالي" والقدرة على التعاطف الصادق، مما يعرض الناشئ لحالة من عدم الاتزان النفسي والتشدد الوجداني والتبلد المشاعري المستقبلي.
وأمام هذا التكالب الرقمي، تقف الأسرة في كثير من الأحيان موقف المتفرج بعد أن انغمس معظم الأولياء في ملاحقة التحصيل الدراسي المباشر والتركيز الصارم على الدرجات والمجموع، وهو ما خلق عزوفاً أسرياً واضحاً عن فتح باب النقاش والحوار مع الأبناء حول القضايا القومية والنفسية، وتسبب في وجود فراغ فكري ونفسي هائل داخل البيت، وتكمن خطورة غياب الحوار الأسري في ترك عنان عقل الطالب ونفسيته ليشكلها خارج جدران المنزل.
فعندما يغيب النقاش الدافئ بين الآباء والأبناء لتفنيد الشائعات واحتواء التقلبات النفسية، يجد الناشئ في الشاشة الرقمية البديل الجاهز والمتاح، مما يضعف الرابط التربوي ويجعل الجيل مغترباً فكرياً ونفسياً عن واقع مجتمعه وقضاياه الوطنية.
ولترسيخ الوعي الحقيقي، لا يمكن الاكتفاء بأنشطة مدرسية عابرة أو ندوات توعوية تقام في المناسبات وتزول بانتهاء الفعالية، فالأنشطة والندوات أدوات ممتازة للتحفيز لكنها تحتاج لمنهج تربوي متكامل يدرج مفاهيم الأمن القومي والقضية الفلسطينية ضمن البناء التعليمي اليومي، نتعلم الطلاب كيفية التفكير النقدي وتفنيد الأدبيات المغلوطة.
ولذلك، فإن استرداد البوصلة يتطلب كسر حاجز الصمت الأسري وإعادة تفعيل الحوار اليومي داخل البيت، ومناقشة ما يدور في المنطقة، وتصحيح المفاهيم واحتواء المشاعر التي يلتقطها الأبناء إلكترونياً، إلى جانب تحويل التوعية المدرسية إلى منهج حواري تفاعلي وتقديم محتوى رقمي موثوق وجذاب يخاطب الجيل بلغة العصر ليزاحم المحتوى السطحي، فبناء الوعي وحماية الاتزان النفسي هما حائط الصد الأول للأمم، وإذا لم نؤصل معرفة أبنائنا بحوار حقيقي في البيت والمدرسة، سنتركهم فريسة لمن يصوغ عقولهم ونفوسهم عبر شاشات الهواتف.
دكتور أحمد علي الصيام
عضو المكتب الفني لرئيس قطاع المعاهد الأزهر