| 11 ديسمبر 2025 م

الأمومة فى غزة.. فصل من الكوارث الإنسانية

«مرصد الأزهر» يقدم قراءة فى تقرير قناة RTVE الإسبانية 

  • | الأربعاء, 5 نوفمبر, 2025
الأمومة فى غزة.. فصل من الكوارث الإنسانية

دينا العشى (28 عاماً)، أم لطفلين وحامل فى شهرها السادس، كانت تعمل صحفية فى حى تل الهوى بغزة عندما بدأت الحرب، وتقول: «كنا هدفاً مباشراً للقصف»، حيث تحوّلت مدينة غزة إلى ركام، خاصة بعد التوغل البرى فى 16 سبتمبر. ولا يزال نصف مليون شخص يعيشون هناك، بينما فرّ الآلاف بحثاً عن النجاة، وفرّت دينا مع أسرتها جنوباً تحت القصف المتقدم، واضطرت لبدء حياتها من جديد فى خيمة، قائلة: «أنا متعبة ومضطربة، لكن أحتاج أن أتكلم». وتصف الأشهر الثلاثة الأخيرة من حملها بأنها كانت ضمن الأشهر الأولى للحرب، حيث عانت من صراع داخلى مؤلم بين حماية طفليها وحماية جنينها. وقالت: «ابنى الأكبر كان يدرك الخطر، وفى اللحظات العصيبة كان يمسك بطنى بينما يواسى أخويه».

تعترف: «تصرفت بتناقض كأم، منتقلة من الضعف إلى القوة، ومن البكاء إلى التظاهر بأن شيئاً لم يحدث». وتختبر: «أن تكونى أماً وحاملاً فى غزة هو الأصعب.. كنا نقاتل الموت كل يوم، حتى فى أثناء الهدنات». وبحسب بيانات وزارة الصحة فى غزة، أودت الحرب بحياة أكثر من 66 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال. وانخفض عدد سكان غزة بنسبة 6% حتى يناير 2025، ليصل إلى 2.1 مليون نسمة فقط. وُلد أكثر من 65 ألف طفل منذ أكتوبر 2023. تم تسجيل 17 ألف حالة ولادة فى الستة أشهر الأولى من 2025، بمعدل 94 حالة يوميّاً. انخفض معدل المواليد 41%، حيث سُجل 29 ألف حالة للمدة نفسها فى 2022، ومعدل الخصوبة عند النساء 3،4 مولوداً فى 2019. وتم تسجيل 5560 حالة ولادة مبكرة، أى 33%، يعانى فيها الأطفال من نقص فى الوزن ويحتاجون إلى العناية المركزة للمبتسرين وعلى مدى العامين الماضيين، تراجعت الولادات وارتفعت معدلات الإجهاض بشكل ملفت، وفقاً لياسمين صبرى أبوشنينة، القابلة فى منظمة «أطباء بلا حدود».

وفى خضم الفوضى، لم تعد وسائل منع الحمل متاحة، كما توقفت برامج تنظيم الأسرة. وتقول أبوشنينة: «أغلب الحوامل لا يرغبن فى إنجاب الطفل». وتؤكد دينا أن الحرب هى العدو الأكبر للأمومة، قائلة: «نحن النساء نسينا أننا موجودات. كثيرات منا يدعون الله ألا يحملن».

ورغم تفكيرها فى الإجهاض، إلا أن النظرة المجتمعية الرفضية جعلته خياراً مستحيلاً. وقد سيّطر عليها الحزن مع اقتراب موعد ولادتها، خاصة مع غياب أمها وخوفها من الولادة بدون مخدر. وكانت منظمات طبية قد حذرت من نفاد مخزون مواد التخدير، وتوضح أبوشنينة: «نعطى جرعات أقل، والمخزون لا يكفى للجميع». وعندما علمت دينا بعدم وجود تخدير، اجتاحها الرعب وارتجف جسدها. وقد أجريت العملية فى غرفة مكتظة بالمرضى، حيث تحولت المستشفيات إلى ملاجئ من القصف. ولا تنسى دينا رحلة الموت عبر الطرق المدمرة للوصول إلى المستشفى. لكن الحظ ابتسم لها فى النهاية، عندما استضافتها عائلة بالقرب من مخيم المواصى، لتحميها من برد ديسمبر القارس.

يُقدَّر أن نحو خمسةٍ وخمسين ألف امرأة حامل ومرضع يعانين من سوء تغذية حاد. كما تُظهر الإحصاءات أن 61٪ من النساء الحوامل والأمهات لأول مرة يعانين من نقصٍ غذائى خطير، بعد أن كانت النسبة 9٪ فقط فى شهر مارس. إضافة إلى فقر الدم والإجهاد الأُمومى، وحالات ولادات مبكرة (أطفال بوزنٍ منخفض عند الولادة أقل من 2.5 كجم). فضلاً عن نقص إفراز الحليب (قلة الإدرار) إذ لا تنتج الأمهات حليباً طبيعياً، فيلجأن إلى استبداله بالماء أو بماء ممزوجٍ بالحمص المطحون أو الطحينة.

موت الجنين داخل الرحم: تسمّم الحمل (ما قبل الإرجاج): يؤدى إلى نزيفٍ حاد قد يفضى إلى وفاة الأم. فى ظل هذه الظروف، ما زالت صحة الأم والطفل فى حالة تدهور مستمر. وكشفت القابلة ياسمين صبرى أبوشنينة عن تزايد حالات الولادة المبكرة بسبب التنقل المستمر وسوء التغذية، فيما تضطر النساء للولادة فى أكواخ بدائية نتيجة انعدام وسائل النقل. وأضافت: «أصبحت الإجهاضات التلقائية أمراً يومياً، وعدد المواليد الذين يحتاجون لحاضنات فى تزايد مستمر». وتقول إحدى الأمهات: «أطلب من أبنائى المسامحة طوال الوقت.. تحمل الأمهات أعباء جبال من المعاناة». وتختتم: «سيُدمرون كل ما تبقى، وسنموت جميعاً». ويحطم نقص الغذاء ما تبقى من صلابة الأمهات.

تقول دينا: «لم تعد لدىّ طاقة حتى لأتحرك.. فى الأيام التى نحصل فيها على طعام، يصفق الأطفال فرحاً». وتعبر عن ألمها بالقول: «أضطر للاختيار بين أبنائى من أطعم.. عندما أعطيت قطعة فاكهة للصغير، نظر الكبار بصمت موجع».

وأعلنت الأمم المتحدة فى أغسطس حالة المجاعة فى غزة، حيث يعانى أكثر من نصف مليون شخص من الجوع الحاد. وأكد مفوض حقوق الإنسان أن ما يحدث يُعد جريمة حرب.

وتختتم دينا: «الجوع يقتلنا.. نسينا طعم الفواكه والخضراوات، بينما بلغ سعر الطبق البسيط 100 دولار». ووفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، يجب دخول 2297 طناً من الغذاء يومياً إلى قطاع غزة، بينما كمية الطعام التى تدخل يوميّاً أقل من هذا بكثير. كشف التحليل الأخير للتصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائى (IPC) فى أغسطس أن معظم سكان محافظات غزة ودير البلح وخان يونس سيواجهون وضعاً مجاعيّاً كارثيّاً مع نهاية سبتمبر. ويوضح التقرير أن أكثر من 640000 شخص يعيشون فى مرحلة «الكارثة»، التى تعنى نقصاً حادّاً فى الغذاء، وجوعاً قاتلاً، وفقراً مدقعاً. ولم يسلم الرضع من هذه الكارثة، حيث أكدت منظمة: «أنقذوا الأطفال» تزايداً ملحوظاً فى أعداد المواليد المصابين بسوء التغذية الحاد.

وتقول جورجيا تايسى، مديرة مشروع المنظمة: «نقدم الرعاية لحوامل يعانين من سوء التغذية الحاد، مما يؤدى إلى ولادة أطفال بأقل من الوزن الطبيعى». وتضيف: «الأمهات لا يمتلكن حليباً طبيعيّاً لإرضاع مواليدهن بسبب سوء التغذية، مما يضع حياة حديثى الولادة على حافة الهلاك». وخلص التحليل إلى أن أكثر من 41000 طفل دون الخامسة يواجهون خطر الموت، بينما تعانى 55500 امرأة حامل ومرضع من سوء التغذية الحاد فى جميع أنحاء القطاع. وتحذر منظمة «أطباء بلا حدود» من أن سوء تغذية الأمهات يفاقم سوء تغذية الأطفال. وتقول إحدى القابلات فى المنظمة: «هناك مضاعفات خطيرة بين حديثى الولادة بسبب سوء التغذية، واضطررنا فى بعض الحالات إلى إدخالهم العناية المركزة لإنقاذهم». أسفرت الحرب عن مقتل أكثر من 20 ألف طفل تحت القصف، بينما أصيب الآلاف بعاهات مستديمة. ويعانى كثيرون من بتر الأطراف، أو عدم القدرة على الحركة بسبب نقص العكازات فى المراكز الصحية. وقالت مديرة مشروع: «أنقذوا الأطفال» فى غزة: «الطفولة هنا محاصرة بالألم، ويحيط بها كبار مصابون بصدمات نفسية. كثير من الأطفال فقدوا أحد والديهم أو كليهما، وينتقلون بين أسر بديلة دون استقرار أو أمان».

وحذرت المنظمة فى تقريرها «مستقبلات ضائعة» من عواقب كارثية على الطفولة، تشمل ارتفاع وفيات الأطفال، وضعف أجهزتهم المناعية، وتأخر النمو الجسدى والعقلى، وزيادة خطر الأمراض المزمنة. وأضافت المتحدثة باسم المنظمة: «أكبر مخاوفنا هى الآثار بعيدة المدى لسوء التغذية. يموت أطفال كل يوم بسبب أمراض يمكن الوقاية منها، بينما يشربون مياهاً ملوثة ويعانون من الجوع».

آثار سوء التغذية على الأطفال الرضع يسبب سوء التغذية الذى يعانى منه الأطفال فى غزة ضرراً جهازياً متدرّجاً يمسّ الطاقة الجسدية والأعضاء الحيوية، وينتهى بتعطيل النموّ الجسدى والعقلى. خلال 24 إلى 48 ساعة: عندما يتوقف الطفل عن تلقّى الغذاء الكافى يبدأ الجسم باستهلاك احتياطاته من الجلوكوز فى الكبد والعضلات. ومع نقص الجلوكوز يفقد الدماغ طاقته، فيصبح الطفل ضعيفاً، عصبيّاً، كسولاً، ويشعر بالدوار. فى الأسبوع الأول: عند عدم إنتاج الجلوكوز، يبدأ الجسم بتفكيك البروتينات الموجودة فى العضلات وحرق الدهون المخزّنة. يفقد الطفل كتلته العضلية بسرعة، وتضعف العظام والمفاصل، ويتوقف النموّ. مما يعنى أن الجسم يفترس نفسه حرفيّاً. ابتداءً من الأسبوع الثانى: يستمر الجسم فى تكسير البروتينات، لكن هذه المرة من الأعضاء الحيوية، مثل: القلب، والكبد، والكلى، والأمعاء. ويبدأ الانهيار الداخلى. بعد مرور أكثر من أسبوعين أو ثلاثة تبدأ الأنظمة العضوية فى الفشل، فتنهار الكلى وتعجز عن تنقية السموم، ويتقلص الدماغ ويصاب الطفل بتلف معرفى دائم، بينما ينهار جهازه المناعى بالكامل. وقد تأتى الوفاة نتيجة تسمّم الدم، أو فشل الأعضاء، أو توقف القلب. وللناجين من الموت تبقى آثار لا تُمحى: تأخر دائم فى النموّ. فقر دم، وضعف البصر، ولين العظام. قابلية عالية للإصابة بأمراض قاتلة، مثل الالتهاب الرئوى والإسهال. عجز معرفى دائم، وهو عبارة عن انخفاض معدل الذكاء حتى 15 نقطة. مشكلات فى الذاكرة والتركيز والتعلّم تؤدى إلى فجوة تعليمية مستمرة. أضرار نفسية: قلق واكتئاب وتدنّى الثقة بالنفس ولا مبالاة، واضطرابات عقلية.

وفى أغسطس فقط شُخّصت حالات سوء تغذية حادّ لدى 12800 طفل فى غزة، ما يجعل هذه المأساة تتكرر على نطاق جماعى. سوء التغذية يسرق حاضر الطفولة ويرهن مستقبلها حذرت «تايسى» من إحدى المنظمات المعنية بالطفولة من تداعيات الواقع القاسى على الأطفال، قائلة: «كثير من الأطفال يتحدثون عن الرغبة فى الانتحار بسبب فقدان ذويهم أو منازلهم، أو الجوع والخوف الدائم من القصف». وأضافت: «فقد الأطفال الأمل، وأينما نظروا رأوا دماراً. لم يعودوا يفهمون لماذا لم يأت قادة العالم لإنقاذهم». من جانبها، أعربت دينا عن خوفها من المستقبل، مؤكدة أن الصدمة سترافق أبناءها طوال حياتهم. وأشارت إلى أن حرمان الأطفال من التعليم يهدد مستقبلهم بشكل كبير. وفى هذا السياق، قالت المعلمة نورهان محمود الفراح (29 عاماً): «على الرغم من الدمار الذى لحق بالمدارس، كنت جزءاً من فريق سعى للحفاظ على التعليم لإنقاذ الأطفال، الذين لم يكن ذنبهم سوى أنهم من غزة». وأضافت أنها لم تتوقف عن التدريس التطوعى منذ اندلاع الحرب، حيث أقامت مع زملائها خيمة بجوار مدرستها المدمرة لتمكين الأطفال من العثور عليهم. وتابعت بحزن: «مع بداية العام الدراسى الثانى، جاءتنا أوامر بإخلاء المنطقة فوراً والانتقال إلى المواصى أو البحر»، مما يعكس استمرار التحديات التى تواجه العملية التعليمية فى القطاع. تعليم صعب فى زمن الحرب أكدت دينا أن التعليم الإلكترونى أصبح مستحيلاً فى ظل الظروف الراهنة، قائلة: «يحتاج وقتاً طويلاً، ونفتقر إلى المواد اللازمة والاتصال الكافى بالإنترنت». وكانت غزة قد حققت قبل الحرب واحدة من أعلى نسب محو الأمية فى الشرق الأوسط، لكن الواقع تغير بشكل جذرى.

وحذرت «تايسى» من أن «تأثير الحرب على تعليم الأطفال هائل، إضافة إلى الصدمات النفسية التى يعانون منها». وأضافت: «حتى لو فتحت المدارس غداً، فإن حالتهم النفسية والجسدية المتدهورة لن تمكنهم من استئناف الدراسة». كما أشارت إلى تحدٍّ آخر يتمثل فى مقتل عدد كبير من المعلمين، مما يهدد استمرار العملية التعليمية فى القطاع. جيل فقد أحلامه أكدت المعلمة نورهان أن الحرب استنزفت الجميع، لكن الأطفال كانوا الأكثر معاناة فى ظل الحرمان من أبسط الحقوق. وأوضحت: «أصبحوا عصبيين، أذهانهم مشتتة، وقدرتهم على الفهم ضعيفة. لقد تغيرت طموحاتهم وأحلامهم!» وتحدثت عن طفلتها البالغة سبع سنوات التى لم يعد يشغلها سوى حلم واحد: الهروب من غزة، بعيداً عن الدمار والخوف، بحثاً عن طعام صحى وماء نقى ومنزل آمن. وختمت نورهان بكلمات مؤلمة: «تكسّرت أحلامنا، فالحرب سلبتنا الكثير»، فى تعبير صادق عن حجم الخسائر الإنسانية والتعليمية التى يتعرض لها أطفال القطاع. ثانياً: تعليق مرصد الأزهر: وبعد، فهذه قصة واحدة، لامرأة واحدة، تنتمى لأسرة واحدة، من بين مليونى إنسان فتك الجوع بهم، ودمرت الحرب والقصف والقنابل أحلامهم وأمنهم، وسلبتهم السكينة والطمأنينة، حتى كسرة الخبز أصبحت عزيزة عليهم، لا لأفواههم بل لأفواه فلذات أكبادهم المفتوحة، والتى أصبحت تشتهى رشفة الماء العذبة، وقضمة الخبز الطرية. لقد جاء هذا الصوت من الخارج، من خارج غزة، بل من خارج المنطقة كلها من إسبانيا؛ جاء دليلاً على أن السيل قد بلغ الزبى، وأنه لم يعد فى قوس الصبر منزع، ولم يعد من المحتمل أن يمنح العالم مزيداً من الصمت، جاء ليطلق صرخة أخيرة، صرخة مكتومة، تبث إنذاراً أخيراً إلى البشرية التى ماتت قلوب كثرتها الكاثرة، ولم يعد لحياة أطفال غزة ونسائها من مستصرخ. وختاماً، إن على العالم أن يستعيد وعيه، وأن يدرك أن الحرب على غزة وما خلّفته حتى اليوم من قتلى ومفقودين وجرحى وثكلى ويتامى ومقهورين ومرضى ومحطمين، هذه الحرب الظالمة القاسية، لا بد لها أن تنكسر يوماً وتخمد نيرانها، لكنها ستصم البشرية بعار لا يمحى مهما سعى الساعون واجتهد المضللون. لن ينسى الناس غزة، ولن ينسوا صرخات أطفالها الجوعى والقتلى، لن ينسوا الخوف فى عيون الأمهات، والقهر فى قسمات الرجال، والانهزام فى خُطى الشباب، ونظرات الضياع فى عيون الشيوخ.

** وحدة رصد اللغة الإسبانية

 

 

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2025 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg