سير أعلام هيئة كبار العلماء القدامى

الشيخ عبد المجيد اللبان

الشيخ عبد الحكم عطا
الشيخ محمد الشافعي الظواهري
الشيخ محمد عبد اللطيف الفحَّام
الشيخ محمد مأمون الشناوي
الشيخ إبراهيم حُمروش
الشيخ محمود الديناري
الشيخ محمد عبد الفتاح العناني
الشيخ إبراهيم الجبالي
الشيخ أحمد مكي
الشيخ محمود أبو دقيقة
الشيخ علي محمد المعداوي
الشيخ علي سرور الزنكلوني
الشيخ محروس شرف
الشيخ قنديل قنديل درويش
الشيخ فرغلي سيد الريدي
الشيخ محمد أحمد القطيشي الحنفي
الشيخ علي إدريس
الشيخ محمد محمد هلال الإبياري
الشيخ عبدالرحمن عيد المحلاوي
الشيخ علي محفوظ
الشيخ محمد السيد أبو شوشة
الشيخ عيسى منون
الشيخ يوسف موسى المرصفي
الشيخ محمد أحمد عرفة
الشيخ محمود محمد شلتوت
الشيخ محمد العتريس الحنفي
الشيخ أمين محمد الشيخ
الشيخ محمد الشربيني سليمان
الشيخ أحمد محمد حميدة
الشيخ حسين يوسف البيومي
الشيخ حامد محمد محيسن
الشيخ محمد المرسي غرابة

الشيخ حسنين مخلوف (الابن)

الشيخ عبد الرحمن حسن عبدالمنعم
الشيخ الحسيني أحمد سلطان
العلَّامة الشيخ محمود أحمد الغمراوي
الشيخ عبد العزيز مصطفى محمد المراغي
الشيخ محمد نور الحسن
الشيخ محمد عبد الله دراز
الشيخ محمد الخضر حسين
الشيخ عبد الرحمن تاج
الشيخ محمد عبدالرحمن الطنيخي
الشيخ محمد الشافعي الظواهري
الشيخ عفيفي عثمان
الشيخ عبد الله موسى غسان
الشيخ محمد عبد الله يوسف الجهني
الشيخ رزق محمد الزلباني
الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي
الشيخ عبد القادر محمد خُليف
الشيخ صالح موسى شرف العدوي
الشيخ محمد علي علي السايس
الشيخ الطيب حسن حسين النجار

الشيخ حسونة عبد الله النواوي
(1255 - 1343هـ /  1839
- 1925م)
 

هو

هو الشيخ حسونة بن عبدالله النواوي الحنفي، تولى مشيخة الأزهر مرتين، مفتي الديار المصريَّة، ووكيل الجامع الأزهر، والقاضي بالمحاكم الشرعيَّة، ولد الإمام الشيخ حسونة النواوي في قرية (نواي) التابعة لمركز ملوي التابع لمديريَّة أسيوط في حينها، سنة 1255هـ/1839م، ونشأ بها وتلقى مبادئ العلم، ثم التحق بالأزهر الشريف، وتلقى العلم على كبار علمائه، مثل الشيخ محمد الأنبابي، وتلقى على يديه العلوم العقليَّة في المنطق والفلسفة، والشيخ عبد الرحمن البحراوي، والشيخ محمد المهدي العباسي، مفتي الديار المصريَّة، وقد تلقى عليهما  الفقه الحنفي، واختص بملازمة العلامة المحقق السيد علي بن خليل الأسيوطي، وتلقى على يديه العلوم العقليَّة أيضًا.

 وكانت المودة قد انعقدت بينه وبين العلامة الشيخ علي بن محمد الببلاوي، الذي تولى مشيخة الأزهر أيضًا بعد ذلك، فكانا يقيمان معًا، ويحضران الدروس معًا، فلا يفترقان إلا في درس الفقه؛ لأنَّ العلامة الببلاوي كان مالكي المذهب، وامتاز فضيلته بقوة الحفظ وجودة التحصيل، وشدة الذكاء، واستمر في دراسته حتى حصل على شهادة العالميَّة.

وبعد أن أنهى الشيخ حسونة دراسته في الجامع الأزهر جلس لتدريس أمهات الكتب العلميَّة، فأقبلت عليه جموع الطلاب مما لفت إليه أنظار القائمين على الأزهر الشريف، فعيَّنوه لتدريس الفقه في جامع محمد علي بالقلعة، وقد استرعى نبوغ الشيخ وتميزه في التدريس نظر القائمين على نظارة المعارف (وزارة التربية والتعليم الآن) فعيَّنوه أستاذًا للفقه بمدرسة دار العلوم (كليَّة دار العلوم الآن) ومدرسة الإدارة (كليَّة الحقوق الآن)، وعضوًا في المجلس الأعلى للمعارف العموميَّة، كما عُيِّن فضيلته عضوًا دائمًا غير قابل للعزل بمجلس شورى القوانين، وحصل على كسوة التشريف العلميَّة من الدرجة الأولى عام 1312هـ / 1895م، وذلك قبل توليه مشيخة الأزهر للمرة الأولى، فهو صاحب المنقبتين، وحائز المفخرتين؛ وذلك أنَّه تولى مشيخة الأزهر الشريف، وضم إليها الإفتاء، فكان شيخ الأزهر، ومفتي الديار المصريَّة في آن واحد، ولم يجتمعا معًا لأحد إلا له، وللعلَّامة الشيخ محمد المهدي العباسي الحنفي من قبله، فقد وَلِيَ كلاهما المشيخة والإفتاء، وكان كلاهما حنفي المذهب، كما أنَّ أسرته حازت الفخر التليد، بأن تولى هو مشيخة الأزهر، ثم تولاها من بعده ابن عمه الشيخ عبد الرحمن القطب النواوي الحنفي (ت 1317هـ/ 1899م)، فهذه أسرة علميَّة جليلة، تمثل ركنًا من أركان الأزهر.

وفي جمادى الآخرة 1312هـ/ 7 ديسمبر 1894م أصدر الخديو عباس الثاني قرارًا بتعيين الشيخ حسونة النواوي وكيلًا لشيخ الأزهر إثر مرض الشيخ الأنبابي واعتلال صحته مما أثر على مباشرة مهام عمله.

وحين شرع الخديو بسعي من الشيخ محمد عبده وغيره في تحسين حال الأزهر وإصلاح نظامه وطريقة التدريس فيه، واستبدال بعض الكتب التي تقرأ فيه، وإدخال بعض العلوم فيه كالرياضيات وتقويم البلدان، والتاريخ وغيرها، رأى الساعون تعذر ذلك مع وجود الشيخ محمد الأنبابي شيخًا عليه، ولم يشأ الخديو عزله دفعًا للقيل والقال، فألف مجلسًا من العلماء ينظر في شئونه سُمِّي بـ (مجلس الإدارة).

 والتمس رئيسًا له يعين من أجل إجراء التحديث المطلوب، فأشير عليه بالشيخ حسونة النواوي؛ لما عهد فيه من الشهامة والصرامة، وسعى له بعض كبار رجال الحكومة ممن سبق لهم التلقي عليه في مدرسة الحقوق، فأصدر الخديو عباس الثاني قرارًا في 7 رجب 1312هـ/ 3 يناير 1895م بتشكيل مجلس إدارة الأزهر، وتعيين فضيلة الشيخ حسونة رئيسًا للمجلس، وقد شاركه في عضويته السادة العلماء: الإمام محمد عبده، والشيخ عبد الكريم سلمان، والشيخ حسين المرصفي، والشيخ سليم البشري، والشيخ يوسف النابلسي .

وتأسس تحت رئاسته أول مجلس لإدارة الأزهر، وأول مجلس أعلى للأزهر، بالإضافة لتأسيس الرواق العباسي، والمكتبة الأزهريَّة، وصاحب فكرة إلحاق التعليم الديني في المساجد الكبرى بالجامع الأزهر، وصدرت في عهده القوانين الأولى لتطوير وإصلاح نظم التعليم بالأزهر والمساجد الكبرى الملحقة به.

وبعد أن قدَّم فضيلة الشيخ الأنبابي استقالته من مشيخة الأزهر لظروفه الصحيَّة أصدر الخديو عباس حلمي الثاني في الثامن من محرم سنة 1313هـ / 1895م قرارًا بتعيين الشيخ حسونة النواوي شيخًا للجامع الأزهر، وفي العام نفسه الذي تولى فيه المشيخة الأولى صدر قرار بتعيين فضيلته في المجلس العالي بالمحكمة الشرعيَّة مع بقائه شيخًا للأزهر الشريف.

وفي 25 محرم 1317هـ/ الموافق 4 يونيه 1899م أصدر الخديو قرارًا بعزله وتولية ابن عمه الشيخ عبد الرحمن القطب النواوي شيخًا للأزهر، والسبب في عزله معارضته ندب قاضيين من مستشاري محكمة الاستئناف الأهليَّة ليشاركا قضاة المحكمة الشرعيَّة في الحكم، وكانت وجهة نظر الشيخ حسونة النواوي أن يظل القضاء الشرعي مستقلًّا بأحكامه دون تأثر بمدارس قانونيَّة أخرى.

ولما أذيع أمر العزل كثرت وفود العلماء والوجهاء على دار الشيخ حسونة وانطلقت الألسنة بمدحه والثناء عليه، وتعلقت به القلوب، وأقبل الناس عليه، وتحققوا بطلان ما اتهمه به خصومه ، وقد شغل  الإمام  الشيخ حسونة النواوي منصب الإفتاء بالتوازي مع منصب شيخ الأزهر بعد وفاة الشيخ محمد المهدي العباسي سنة 1315هـ واستمر يشغل هذا المنصب في الفترة من 7 جمادى الآخرة 1313 هـ/ الموافق 24من نوفمبر سنة1895م وحتى 11من محرم سنة 1317هـ الموافق 21من مايو سنة 1899م، وأصدر خلال هذه الفترة نحو (287 فتوى) مسجلة بسجلات دار الإفتاء.

و في 16 صفر 1324هـ/ الموافق 30 يناير 1907م أعيد الشيخ حسونة إلى مشيخة الأزهر مرة أخرى بعد أن تولى مشيخة الأزهر بعده أربعة من المشايخ وظلَّ يشغل المنصب حتى استقال منه في سنة 1327هـ، وأعيد إلى الأزهر الشيخ سليم البشري، ولزم الشيخ حسونة داره بالقبة يزوره محبوه ويزورهم حتى آخر حياته، لكنه ظلَّ قائمًا في عمله عضوًا في مجلس شورى القوانين، حتى حلت محله الجمعيَّة التشريعيَّة سنة 1332هـ، فانفصل عنه بحكم الإلغاء .

 

نال الشيخ الإمام حسونة النواوي عضويَّة هيئة كبار العلماء في تشكيلها الأول في 6 من ذي القعدة 1329هـ/ الموافق 28 أكتوبر 1911م .

كان للشيخ حسونة النواوي عطاؤه العلمي الكبير، إذ تعددت أماكن تدريسه وتعليمه طلابه، فقد درَّس في الجامع الأزهر، وفي مسجد محمد علي باشا، وفي مدرسة دار العلوم، وفي مدرسة الحقوق، وقد كان متميزًا في تدريسه وتعليمه، وقد أسفرت هذه الرحلة التعليميَّة عن تلامذة كُثر، منهم العلامة علي سرور الزنكلوني، والعلامة محمد إبراهيم السمالوطي، وغيرهما.

وفي أثناء تدريس الشيخ الإمام مادة الفقه بمدرسة دار العلوم، ومدرسة الحقوق، بزغت لديه فكرة تصنيف كتاب في الفقه الحنفي على نظام حديث يجمع بين الدقة والسهولة، ينأى به عن منهج الكتب الفقهيَّة المتداولة آنذاك، التي اتسمت بسمة المتن ثم الشرح عليه، ثم التحشية على الشرح، ثم التقريرات على الحواشي مما مثَّل عنتًا وإرهاقًا لطلاب علم الفقه، فما كان من الشيخ إلا أن قَّدم لطلاب علم الفقه سفره الماتع الذي ذاع صيته آنذاك وسماه (سُلَّم المسترشدين في الفقه والدين) في جزأين "وأصبح هذا الكتاب رائدًا لمن جاء بعده من أساتذة كليَّة الحقوق الذين ألَّفوا في نفس الفن من أمثال السادة العلماء: محمد زيد الأنبابي، وأحمد إبراهيم، وعبدالوهاب خلَّاف،  ومحمد أبي زهرة، وغيرهم"   ممن يُذكر جهدُهم فيُشكر، كما "نال هذا الكتابُ الذيوعَ والانتشارَ، واشتُهِرَ شهرة واسعة جعلت القائمين على نظارة وزارة المعارف - آنذاك- يقررون تدريسه في المدارس الأميريَّة".

كما أنَّ للشيخ فتاوى حملها كتاب (الفتاوى الإسلاميَّة من دار الإفتاء المصريَّة)، وقد دُوِّن فيه (287) فتوى لفضيلته.

ومن آثاره القلميَّة مقالة عنوانها (نبذة من مناقب الإمام الأعظم)، نشرها له رفاعة بك الطهطاوي في: (روضة المدارس)، وصدَّرها بقوله: (قد انتظم في سلك أعضاء هذه الصحيفة حضرة الكامل الفاضل، والعالم العامل، الحائز قصب السبق في ميدان المعقول والمنقول... الشيخ حسونة النواوي الحنفي، مدرس علمي الفقه والكلام بمدرسة الإدارة والألسن"،  ونشر له أيضًا مكتوبًا يسمى (تطبيق الأمور العاديَّة العرفيَّة على الأحكام الشرعيَّة الفرعيَّة المرعيَّة).

كما أنَّ الشيخ الإمام حسونة النواوي كان القائم بتنفيذ الأمر السلطاني في طباعة صحيح البخاري، وفق النسخة اليونينية، فنشط في ذلك وجمع فريقًا من علماء الأزهر الشريف، وسعوا في استخراج النسخ الخطية المفرقة في المكتبات العامَّة والخاصَّة، ثم أكبوا على مقابلة النسخ،  وسرد الصحيح،  والتدقيق التام في أسماء الرواة وأوجه الرواية، مع ضبط فروق النسخ، حتى تمت قراءته ومقابلته في مدة يسيرة من الزمان.

وقد ذكر الإمام الشيخ حسونة العلماء الأعلام الذين شاركوا معه خدمة الجامع الصحيح للبخاري، فقال:" أمَّا حضرات العلماء الأعلام الذين خدموا صحيح هذا الإمام فهم: حضرة الشيخ الأستاذ سليم البشري شيخ السادة المالكيَّة، وحضرة الأستاذ السيد على الببلاوي من علماء السادة المالكيَّة بالأزهر ونقيب السادة الأشراف بالديار المصريَّة، وحضرة الأستاذ الشيخ أحمد الرفاعي من علماء السادة المالكيَّة بالأزهر وشيخ رواق السادة الفَيَمَة بالأزهر، وحضرة الأستاذ الشيخ حسن داود العدوي من علماء السادة المالكيَّة بالأزهر وإمام راتب بالجامع الأزهر، وحضرة الأستاذ الشيخ سليمان العبد من علماء السادة الشافعيَّة بالأزهر، وحضرة الأستاذ الشيخ يوسف النابلسي من علماء السادة الحنابلة بالأزهر، وحضرة الأستاذ الشيخ بكري عاشور الصدفي مفتي بيت مال مصر والمجلس الحسبي من علماء السادة الحنفيَّة بالأزهر، وحضرة الأستاذ الشيخ عمر الرافعي من علماء السادة الحنفيَّة بالأزهر مفتي مديريَّة الجيزة، وحضرة الأستاذ الشيخ محمد حسين الإبريري من علماء السادة الشافعيَّة، وحضرة الأستاذ الشيخ محمد أبو الفضل الوراقي من علماء السادة المالكيَّة، وحضرة الأستاذ الشيخ هارون عبد الرازق من علماء السادة المالكيَّة، وحضرة الأستاذ الشيخ حسن الطويل من علماء السادة المالكيَّة، وحضرة الأستاذ الشيخ حمزة فتح الله مفتش اللغة العربيَّة بالمعارف المصريَّة، وحضرة السيد محمد غانم من أهل العلم الشافعيَّة بالأزهر الذين لهم دراية بعلم الحديث".

ولم يقتصر عطاء الشيخ حسونة النواوي على المؤلفات العلميَّة، فقد كان له دور بارز في النهوض بالمؤسسة الأزهريَّة؛ حيث بادر الشيخ إلى الدعوة إلى نهوض الأزهر الشريف منذ أن تولى المنصب الجليل، وارتبط اسمه بالقانون الذي صدر بعد سنة واحدة من توليه المشيخة (20 من المحرم 1314هـ - 1896م)، وكان للإمام محمد عبده يد طولى وراء إصدار هذا القانون، الذي خطا بالأزهر خطوة واسعة نحو الإصلاح الذي يقوم على أساس إدخال العلوم الحديثة مثل الحساب، والجبر، والهندسة، والتاريخ، وعلم تقويم البلدان(الجغرافيا) في الأزهر، كذلك وضع شروطًا لانتساب الطلبة إلى الأزهر، إذ حدد هذا القانون سن قبول الطالب بالأزهر بخمسة عشر عامًا، وأن تكون له دراية بالقراءة والكتابة، وأن يكون حافظًا القرآن الكريم أو على الأقل نصفه، ومنع هذا القانون تدريس كتب الحواشي مطلقًا، وقصرها على الطلبة المتقدمين دراسيًّا، ونظم قانون الامتحانات، وجعلها على مرحلتين:

المرحلة الأولى: تنتهي بشهادة الأهليَّة لمن قضى ثماني سنوات على الأقلِّ من الالتحاق بالأزهر، وتحصيل ثمانية علوم على الأقلَّ من علوم اللغة والدين، ويختبر الطالب أمام لجنة تتكون من ثلاثة من العلماء برياسة شيخ الأزهر، والناجحون إمَّا أن يكملوا دراستهم بالأزهر في المرحلة التالية، وإمَّا أن يتم تعيينهم في وظائف الإمامة والخطابة والوعظ بالمساجد.

المرحلة الثانية: تنتهي بامتحان الشهادة العالميَّة لمن أمضى اثنتي عشرة سنة من الدراسة، وتلقى العلوم المقررة بالأزهر، ويصبح من حق الحاصلين عليها التدريس بالأزهر، وعني القانون بشئون الطلاب فاهتم بتحسين أحوالهم المعيشية،  ووسَّع لهم في المساكن الصحيَّة، وحدَّد لهم بعض المعونات الماليَّة.

ومما يُذْكرُ فيُشْكَر للشيخ حسونة من جهوده في إصلاح الأزهر إنشاؤه دار الكتب في الأزهر أو ما أطلق عليها – حينئذ -  (الكتبخانة العموميَّة الأزهريَّة)، وكان قد عرض الأمر على الجناب العالي فأقره مستحسنًا له، وخرج هذا العمل من القوة إلى الفعل، وتهيأ المكان لما وجد لأجله من وضع الكتب وحفظها فيه، والانتفاع بها تحت ضوابط ونظم، وشرع عمالها في إنفاذ ما عهد إليهم من أول سنة 1897م/ الموافق شعبان سنة 1314هـ، ومن حسنات وبركات هذا العمل الإصلاحي العظيم أن أقبل أهل البر والصلاح والعلم  - بعد معرفتهم بوجود دار كتب بالأزهر – فتبرعوا بما عندهم من الكتب النفيسة، وقد تقدم الشيخ حسونة القافلة ووقف في المقدمة فتبرع بمكتبته الخاصَّة لمكتبة الأزهر، وأخذت هدايا المتبرعين تتوالى، ومنها مكتبات حليم باشا، والشيخ الأنبابي، والشيخ العروسي، والشيخ البولاقي، كما أخذ أكثر العلماء يكتبون وصاياهم بضمّ مكتباتهم الخاصَّة بعد رحيلهم إلى مكتبة الأزهر، كالإمام محمد عبده، والشيخ محمد بخيت المطيعي، والشيخ عبد القادر الرافعي، وما زال العلماء جيلًا بعد جيل،  وفي عصر يتلوه عصر يقتفون أثر من سبقوهم في التبرع بمكتباتهم في حياتهم، أو الوصية بها بعد مماتهم ليكون مستقرها الأخير في المكتبة الأزهريَّة العامرة.

من مواقفه الإنسانيَّة والدعويَّة:

حينما يكون العالم صاحب رسالة سامية يستشعر عظمتها، ويقدر لها قدرها، يعذر أصحاب الهنَات، ويقيل ذوي العثرات، ويرحم أهل الكبوات، ويتسع صدره لذوي المخالفات.

وهذا عين ما حدث من الشيخ حسونة النواوي في موقفه مع الدكتور منصور فهمي ، وهو الموقف الذي يجب أن يُعْلَم فيُعَلَّم، ويدرَّس للأجيال كيف كان يتعامل علماء الأزهر وشيوخه مع المخالفين لهم في الرأي.

فحينما حصل الدكتور منصور فهمي على رسالة الدكتوراه من باريس، وكان موضوعها (أحوال المرأة في الإسلام) وأشرف عليه فيها المستشرق اليهودي (ليفي رايل)، وقد تورط الدكتور منصور في أن نسب عددًا من التهم والمظالم إلى الإسلام في قضية المرأة، حتى صار يُعرف في مصر بالملحد،  إلا أنَّه أنصف من نفسه وذكر أنَّه لقي عددًا من علماء الأزهر، من ذوي الأفق الواسع، والصدر الرحب، والحلم والعلم الذين صبروا عليه، وأخلصوا له النصح، ولم يتجهموا في وجهه، ولا ضاقوا به، و كان على رأسهم الشيخ حسونة النواوي، وسجل الدكتور منصور فهمي تغييره موقفه، وتراجعه عن تحامله على الإسلام، بسبب رحابة صدر أولئك النفر من العلماء.

يقول الدكتور منصور فهمي عن ذلك: "كانت رسالتي في الدكتوراه عن المرأة في الإسلام، واندفعت أكتب بحرارة الشباب المندفع، ويظهر أني انحرفت قليلًا حيث كانت معلوماتي عن الإسلام طفيفة، وحين قوبلت – في مصر – بضجة كبرى ازددت عنادًا، ولكن الله كتب لي أن أجلس طويلًا مع بعض المشايخ العلماء، من ذوي الأفق الواسع، والصدر الرحيب، من أمثال الشيخ: حسونة النواوي، والشيخ مصطفى عبد الرازق، والشيخ علي سرور الزنكلوني، هؤلاء الذين يمثلون عالم  الدين الحقيقي...فبدأت أتخلَّص من الزيغ، لأعود إلى حظيرة الدين والحمد لله".

ويقول: "لقيت المرحوم الشيخ حسونة النواوي حين زرته في منزله، فوجدت شيخًا وقورًا يملأ القلب بمهابته وتقواه، وكنت أسمع الكثير عن شجاعته وهمته، واستهانته بشئون الدنيا، فلما قُدِّمتُ إليه، قال لي: أأنت الذي يُقالُ عنك:إنك ملحد ؟! فقلت: نعم يا مولاي، فربت على كتفي، وقال لي: اقرأ القرآن، واقرأ البخاري إن لم تكن قرأته، فوعدت الشيخ الوقور بذلك.

ولما خرجت استحييت ألَّا أفي بعهدي، فعكفت على قراءة البخاري، وعجبت لغفلتي الأولى، وجدت حِكَمًا ونَظْمًا، وأخذت أقارن ذلك بما درست في الفلسفة فوجدت ما جاء به محمد ﷺ أعلى من كلِّ فلسفة، وأن الإلهام الصادق يبدو في كلِّ حديث، فلم أجد إلا أن أقول أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، إنَّه درس لكلِّ داعية من الدعاة، ولكلِّ صاحب رسالة يعي رسالته ودعوته، ويدرك أنَّ من أوجب واجبات الداعي إلى الله -تعالى -أن يتسع صدره لكلِّ الناس مخالفيهم قبل موافقيهم، وشانئيهم قبل محبيهم، وأن يعلم أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فربَّ كلمة لا يدرك قائلها قيمتها وقعت من متلقيها موقعًا فأصابت كبد الحقيقة فغيَّرت مسار حياته، وكم من المتحولين من فكرة إلى فكرة أو من دين إلى دين قَصُّوا علينا نبأهم، وكانت الكلمة أو الجملة الواحدة سبب قرار مصيري حوَّل مستقبل من سمعها فنقلته من عالم الأوهام إلى عالم الحقائق، ومن ظلمات الجهل إلى أنوار العلم.

وكم نحن بحاجة ماسة اليوم قبل الغد لباحث ذي همة ينقب عن مثل هذه المواقف المضيئة، فيجمع شتاتها، ويؤلف بين متفرقاتها، فيخرج للأمة سفرًا يحوي مواقف علماء الأزهر مع المخالفين، فتتعلم الأجيال، ويتربى عليها الدعاة فيكسبون بها كل يوم أرضًا خصبة جديدة في معاركهم الفكريَّة الفاصلة.

هذا وقد عرف الشيخ -رحمه الله- بالعفة وعلو الهمة ونقاء اليد، أمَّا ما رُمِيَ به من الكبر والغطرسة،  فغير مقبول - كما يقول الدكتور محمد رجب البيومي _ لأنَّ لكلِّ من الناظر وشيخ الأزهر مكانه الذي يعلمه الناس عن يقين، وقد يكون الكبر محمودًا على المتكبرين؛ لأنَّه حينئذ درء للقوة بقوة مماثلة، أمَّا الكبر على المعتدلين فمما يذم، وقد قال الشاعر في مثل هذا:[من الكامل]

َقالُوا بِهِ كِبْرٌ فَقُلْتُ تَأَدَّبُوا
هَوَ عِزَّةٌ قَدْ زَانَها بِتَرفُّـعٍ

 

 

مَا الْكِبْرِيَاءُ عَلَى الْكَبِيرِ بِعَارِ
وَنَزَاهَةٌ قَدْ حَفــــَّــهَا بِوَقـَـــــــــــارِ

 

وقد قالت عنه دائرة المعارف الإسلاميَّة:" كان على خلق أعجب به المصريون، وكان له في مدرسة الحقوق نفوذ على الطلبة الذين أصبح لهم من بعد شأن في ميدان السياسة المصريَّة".

أصيب الشيخ في أواخر أيامه بأمراضٍ، وَوَهَنٍ في القُوى، وضَعْفٍ في النظر، وانتقل إلى رحمة مولاه صباح يوم الأحد 24 شوال سنة 1343هـ / 17 مايو 1925م، ودفن بقرافة المجاورين بالقاهرة، وودعته الأمة بما هو جدير به من الحب والإكبار، في يوم مشهود تناقلت الصحف صوره والألسنة أنباءه في ترحم ودعاء، رحمه الله رحمة واسعة، وأنزله منازل الأبرار.

 

الوثائق

هيئة كبار العلماء هيئة كبار العلماء هيئة كبار العلماء

هيئة كبار العلماء هيئة كبار العلماء هيئة كبار العلماء

 

صور

أفلام تسجيلية

أغلفة

الشيخ سليم البشري

الشيخ محمد ابو الفضل الجيزاوي

الشيخ محمد حسنين مخلوف
الشيخ هارون عبدالرازق
الشيخ محمد راشد المالكي
الشيخ محمد الروبي
الشيخ دسوقي العربي
الشيخ احمد نصر العدوي
الشيخ محمد طموم
الشيخ حسونه النواوي
الشيخ بكر عاشور الصدفي
الشيخ محمد بخيت المطيعي
الشيخ محمد شاكر الجرجاوي
الشيخ مصطفي احمد حميدة
الشيخ احمد ادريس
الشيخ محمود رضوان الجزيري
الشيخ محمد احمد الطوخي
الشيخ محمد بخاتي
الشيخ ابراهيم الحديدي
الشيخ محمد راضي البحراوي
الشيخ سليمان العبد
الشيخ محمد الرفاعي المحلاوي
الشيخ محمد ابراهيم الياقاتي
الشيخ محمد النجدي
الشيخ عبدالحميد زايد
الشيخ سعيد بن علي الموجي
الشيخ عبدالمعطي الشرشيمي
الشيخ يونس العطافي
الشيخ محمد قنديل الهلالي
الشيخ احمد البسيوني الحنبلي
الشيخ محمد اسماعيل البرديسي
الشيخ عبدالرحمن قراعة
الشيخ عبدالغني محمود
الشيخ محمد ابراهيم السمالوطي
الشيخ يوسف الدجوي
الشيخ ابراهيم بصيله
الشيخ محمود الاحمدي الظواهري
الشيخ مصطفي الهيياوي

الشيخ يوسف شلبي الشبرابخومي

الشيخ محمد سبيع الذهبي
الشيخ محمود حمودة
الشيخ احمد الدلبشاني
الشيخ محمد مصطفي المراغي
الشيخ حسين والي
الشيخ محمد الحلبي
الشيخ سيد علي المرصفي
الشيخ عبدالرحمن عليش
الشيخ احمد هارون عبدالرازق

الشيخ عبد المجيد سليم

جميع الحقوق محفوظة لهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف @ 2021