سير أعلام هيئة كبار العلماء القدامى

الشيخ عبد المجيد اللبان

الشيخ عبد الحكم عطا
الشيخ محمد الشافعي الظواهري
الشيخ محمد عبد اللطيف الفحَّام
الشيخ محمد مأمون الشناوي
الشيخ إبراهيم حُمروش
الشيخ محمود الديناري
الشيخ محمد عبد الفتاح العناني
الشيخ إبراهيم الجبالي
الشيخ أحمد مكي
الشيخ محمود أبو دقيقة
الشيخ علي محمد المعداوي
الشيخ علي سرور الزنكلوني
الشيخ محروس شرف
الشيخ قنديل قنديل درويش
الشيخ فرغلي سيد الريدي
الشيخ محمد أحمد القطيشي الحنفي
الشيخ علي إدريس
الشيخ محمد محمد هلال الإبياري
الشيخ عبدالرحمن عيد المحلاوي
الشيخ علي محفوظ
الشيخ محمد السيد أبو شوشة
الشيخ عيسى منون
الشيخ يوسف موسى المرصفي
الشيخ محمد أحمد عرفة
الشيخ محمود محمد شلتوت
الشيخ محمد العتريس الحنفي
الشيخ أمين محمد الشيخ
الشيخ محمد الشربيني سليمان
الشيخ أحمد محمد حميدة
الشيخ حسين يوسف البيومي
الشيخ حامد محمد محيسن
الشيخ محمد المرسي غرابة

الشيخ حسنين مخلوف (الابن)

الشيخ عبد الرحمن حسن عبدالمنعم
الشيخ الحسيني أحمد سلطان
العلَّامة الشيخ محمود أحمد الغمراوي
الشيخ عبد العزيز مصطفى محمد المراغي
الشيخ محمد نور الحسن
الشيخ محمد عبد الله دراز
الشيخ محمد الخضر حسين
الشيخ عبد الرحمن تاج
الشيخ محمد عبدالرحمن الطنيخي
الشيخ محمد الشافعي الظواهري
الشيخ عفيفي عثمان
الشيخ عبد الله موسى غسان
الشيخ محمد عبد الله يوسف الجهني
الشيخ رزق محمد الزلباني
الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي
الشيخ عبد القادر محمد خُليف
الشيخ صالح موسى شرف العدوي
الشيخ محمد علي علي السايس
الشيخ الطيب حسن حسين النجار

الشيخ محمد شاكر الجرجاوي
(1282 - 1358هـ / 1866 - 1939م)

 

 

 

فضيلة الشيخ المصلح المستنير محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر الحنفي الجرجاوي، وكيل الجامع الأزهر، وشيخ علماء الإسكندريَّة، وأحد شيوخ القضاء بالمحاكم الشرعيَّة في مصر والسودان، من آل أبي علياء من أشراف الصعيد، يرفع نسبه إلى الحسين بن علي –رضي الله عنهما- ولد بمدينة جرجا الواقعة جنوب محافظة سوهاج، وكان ذلك في 15 من شوال 1282هـ الموافق 2 مارس 1866م في بيت من بيوتات العلم والفضل، فأخذ العلم بجرجا عن ساداتها، مثل الشيخ محمد عبد الله محمد السيوطي، والعلَّامة خليل بن رضوان المصري، والعلَّامة حجازي بن محمد بن عبد الله العناني الحنفي.

وقد رحل إلى القاهرة، والتحق بالأزهر الشريف، فتلقى العلم فيه عن كبار الشيوخ في ذلك العهد من أمثال شيخه الأثير لديه محمد العباسي المهدي، والإمام محمد عبده، وكلاهما كان مفتيًا للديار المصريَّة، والعلَّامة الشيخ محمد الملقب بأبي خطوة، والعلَّامة حسن الطويل المالكي، والعلَّامة هارون عبد الرازق المالكي، والعلَّامة محمد البحيري الشافعي، والعلَّامة محمد المغربي، والعلَّامة محمد أبي الفضل الجيزاوي، والعلَّامة أحمد الدرستاوي الحنفي الشامي، وغيرهم، ثم أخذ الأوراد والأذكار من الإمام أحمد بن شرقاوي المالكي.

وقد اشتهر أيام التحصيل بتفوقه على زملائه في علوم المنطق والفلسفة، وسائر العلوم العقليَّة، وكان يُدَرِّسُ بعض هذه العلوم لزملائه الطلبة، وهو لم يزل تلميذًا معهم، وزميلًا لهم، وبدت عليه علامات النبوغ وأمارات الذكاء، ولباقة القول وفصاحة اللسان، وحسن البلاغة والبيان، وقد أهلته كلُّ هذه الصفات لإنهاء تعليمه الأزهري بجدارة، بل إنَّ شيخه العباسي قد اختاره ليكون كاتبًا بدار الإفتاء، وكان على حداثة سنه ينوب عن المفتي في مناقشة أحكام المحاكم الشرعيَّة، ويلاحظ على قضاتها ملاحظات دقيقة، دالة على سعة الاطلاع، وقوة الحجة.

وعُيِّن أمينًا للفتوى في 15 رجب 1307هـ/ 6مارس 1890م وعمره وقتئذ ستة وعشرون عامًا، ثم وُلِّي منصب نائب محكمة مديريَّة القليوبيَّة، وصدر الأمر العالي بذلك في 7 شعبان 1311هـ/ 13 فبراير 1894م، وظلَّ في هذا المنصب أكثر من ست سنوات، ولما فُتِحت البلاد السودانيَّة، وأرادت الحكومة المصريَّة والسودانيَّة تنظيم القضاء الشرعي في السودان، واختيار قاضٍ مصري كفء، أسند إليه شيخه الإمام محمد عبده مهمة إصلاح القضاء في السودان، وأمره بالتقدم لامتحان شهادة العالميَّة، فتقدم وحصل على الشهادة العالميَّة سنة 1899م بتفوق كبير أثار إعجاب أعضاء اللجنة، وصدر الأمر العالي بتعيين الشيخ محمد شاكر قاضي القضاة في السودان، وهو أول مصري أسندت إليه هذه الوظيفة، وكان ذلك في 10 من ذي القعدة 1317هـ/ 11 من مارس 1900م.

ثم عُيِّن –رحمه الله– شيخًا لعلماء الإسكندريَّة في 15 من المحرم 1322هـ/ 2 من أبريل سنة 1904م، وفي رمضان سنة 1324هـ تمَّ ندبه للقيام بأعباء مشيخة الجامع الأزهر، نيابة عن المرحوم الشيخ عبد الرحمن الشربيني، بالإضافة إلى عمله في مشيخة الإسكندريَّة، واستمر في ذلك إلى ذي الحجة من العام نفسه، ثم تقلد منصب وكيل مشيخة الأزهر، في 9 من ربيع الثاني سنة 1327هـ/ 29 من أبريل 1909م.
 

 


كانت ثمرة تلك الرحلة العلميَّة والإداريَّة موجبة لنيله عضويَّة هيئة كبار العلماء منذ إنشائها عام 1329هـ/ 1911م بموجب الإرادة السنية الصادرة بتاريخ 15 من ذي القعدة 1329هـ/ 6 من نوفمبر 1911م، وفي 1913م عُيِّن عضوًا في الجمعيَّة التشريعيَّة ممثلًا للهيئة الإسلاميَّة.

 

 

مما أثر عن الشيخ أنَّه كان فقيهًا ضليعًا في الفقه، واسع الأفق في تفسير كتاب الله، مدركًا لدقائقه، متفطنًا لكريم مغزاه، متمكنًا من الأصول والمنطق والحديث، وله في كلِّ ذلك لفتات دالة على بعد غوره وصفاء ذهنه، ومع كلِّ هذه المآثر العلميَّة لم يكن الشيخ – رحمه الله – من المكثرين في فن التأليف والتصنيف، لكنه ترك للمكتبة الإسلاميَّة عددًا من المؤلفات النافعة كلٌّ في فنه وبابه سواء كان في المنطق، أو العقيدة، أو الفقه، أو السيرة النبوية، ومن

 أبرز هذه المؤلفات :

  1. (الإيضاح لمتن إيسَاغُوجِي) في المنطق.

  2. الدروس الأوليَّة في العقائد الدينيَّة.

  3. القول الفصل في ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأعجميَّة وهو مؤلف حاول فيه الشيخ أن يتصدى لمشكلة ترجمة القرآن الكريم من اللغة العربيَّة إلى اللغات الأجنبية، حيث كانت هناك نسخة من ترجمة القرآن الكريم إلى الإنجليزية قد انتشرت في بلاد الهند، وتم تصديرها إلى بعض الدول الأوروبيَّة، وكان صاحب الترجمة هو محمد علي من أتباع المتنبي ميرزا غلام أحمد القادياني (مدعي النبوة)، وقد توسع الشيخ في عرض القضية وصال وجال؛ لاستخراج الأدلة على حرمة ترجمة القرآن الكريم من العربيَّة إلى اللغات الأخرى حرمة قاطعة.

  4. خلاصة الإملاء، وهو عبارة عن ثماني صفحات وضعها تيسيرًا على الطلاب تناول فيه قواعد الإملاء بصورة مبسطة.

من الحماية إلى السيادة فالكلمة الآن لمصر، وهو كتيب ضم مقالاته التي نشرها على صفحات الجرائد مدافعًا عن وطنه ومناصرًا لأمته، ويتضح هذا الهدف من مقدمته التي قال فيها: "أقدم هذه الكلمات إلى كلِّ عامل في سبيل الاستقلال التام لوادي النيل من منبعه إلى مصبه بدون أي تدخل أجنبي في شئونه الداخليَّة والخارجيَّة".

كما أنَّ الشيخ قد تمرس على كتابة المقالات التي تعالج القضايا الاجتماعيَّة والسياسيَّة التي امتازت بالصدق والإخلاص في بواعثها، كما امتازت بقوة جدليَّة لم تتح لكثير من السياسيين في عهده، وكونه كان شيخًا أزهريًّا لم يدرس القانون، ولم يتعلم علم الدساتير ولم يعرف لغة أجنبية، ومع كونه كذلك يجيد المناقشات الدستوريَّة والمجادلات القانونيَّة، كأعلم علماء القوانين، كلُّ هذا كان مثار عجب ودهشة لمعاصريه على كافة المستويات، وتعدد المشارب والتوجهات، ومما يقدم دليلًا تاريخيًّا على ذلك: أنَّ المسلمين في كلِّ قطر عربي كانوا يتلقفون مقالاته بشوق عظيم، ومما قاله في ذلك حاج حسين الحاج علاوي ببغداد: "فحينما يصل المقطم في البريد نفتح أعداده بلهفة شديدة، ونتصفح مقالاته، لعلنا نجد مقالة لحضرة الشيخ مذيلة بإمضائه، فإذا وجدنا فذلك اليوم من أسعد أيامنا"، كما أشرقت مقالاته على صفحات مجلة الأحكام الشرعيَّة التي صدرت أربع سنوات بداية من سنة 1902م وكان يناقش في هذه المجلة بعض الأحكام المتعلقة بالشريعة ويوجهها الوجهة الصالحة.

وقد ربَّى الشيخ الكبير للأمة من أبنائه ثلاثة علماء أجلاء، وهم: أحمد، وعلي، ومحمود، اشتهر منهم أحمد ومحمود، وغاب عن الشهرة ثالثهما.

ولقد حرص الشيخ على صقلهم علميًّا وفكريًّا وأدبيًّا، ومما هو مذكور عنه ومشكور أنَّه قرأ لولديه أحمد وعلي التفسير مرتين: مرة في تفسير البغوي وأخرى في تفسير النسفي، وقرأ لهما صحيح مسلم، وجامع الترمذي، والشمائل المحمديَّة، وسنن النسائي، وبعض صحيح البخاري، وقرأ لهما فقه الحنفيَّة في كتاب (الهداية على طريقة السلف في استقلال الرأي، وحريَّة الفكر، ونبذ العصبية لمذهب معين)، وقرأ لهما في الأصول جمع الجوامع، وشرح الأسنوي على المنهاج، وفي المنطق شرح لهم شرح الخبيصي، وشرح القطب على الشمسية، وفي البيان: الرسالة البيانية، وغير ذلك من الرسائل الصغيرة في العلوم المختلفة، وقد ذكر ذلك كلَّه العلَّامة الشيخ أحمد شاكر وهو يتحدث عن أبيه في مقال منشور في مجلة "المقتطف" إلى أن قال: "وقد تلقيت عنه أكثر العلوم العالية، ولازمت دروسه أكثر من ثماني سنين في الصباح والمساء"، ومن تلامذته أيضًا الذين استفادوا منه وحضروا دروسه وتلقوا عليه العلم الشيخ السعيد الطيب الجزائري وأولاده.

دوره الاجتماعي والوطني:

لم يكن من عادة علماء الأزهر الأجلاء أن يعيشوا في عزلة عن المجتمع مكتفين بمطالعة بطون أمهات الكتب مع حسن فهم، وجميل وعي، وإنَّما كان لهم دورهم البارز في جنبات المجتمع، سواء على المستوى الاجتماعي أو السياسي أو العلمي والثقافي، وكان إدراكهم لدورهم المؤثر يحملهم على الصدع بالحق، والجرأة فيه، وألا يخافوا في الله لومة لائم، وكان الشيخ محمد شاكر –رحمه الله– واحدًا من هؤلاء الذين أدّوا ما عليهم تجاه دينهم وأمتهم، وذكرت له مواقف سطرها التاريخ بمداد من نور، تدل على صلابة في الحق، ورسوخ قدم في العلم، وشجاعة أدبيَّة منقطعة النظير، حتى قال عنه صاحب (أعلام من الشرق والغرب):"كان في الشيخ صلابة في الحق، كأنَّما يضرب بعود الله الذي لا ينكسر، وينطق باسم الله الذي لا ينخذل، ولقد أخرجته تلك الصلابة من مآزق كان الوقوع فيها منتظرًا وحدثًا مقدرًا".

ويأتي على رأس هذه المواقف التي تذكر فتشكر:

1-موقفه من خطيب المسجد الذي تملق الملك بالتعريض بمقام النبوة:
ذكر الشيخ أحمد محمد شاكر في كتابه (كلمة الحق) هذا الموقف فقال: " كان طه حسين طالبًا بالجامعة المصريَّة القديمة... وكان قد تقرر إرساله في بعثة إلى فرنسا، فأراد السلطان حسين كامل أن يكرمه فاستقبله استقبالًا كريمًا، وكان الشيخ محمد مهدي (خطيب مسجد عزبان بشارع عبد العزيز بالعتبة) خطيبًا فصيحًا بليغًا متكلمًا مقتدرًا، وندبت وزارة الأوقاف ذلك الخطيب؛ ليصلي الجمعة بمسجد المدبولي القريب من قصر عابدين، بحضور السلطان حسين ولفيف من العلماء والوزراء والكبراء، وأراد الخطيب أن يمدح السلطان، وأن ينوه بما أكرم به طه حسين، فزل زلة لم تقم له قائمة بعدها، إذ قال في خطبة الجمعة: ( جاءه الأعمى فما عبس في وجهه وما تولى) !!

وكان من شهود هذه الصلاة الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر سابقًا، فقام بعد الصلاة يُعْلِم الناس في المسجد أنَّ صلاتهم باطلة، وأمرهم أن يعيدوا صلاة الظهر، فأعادوها؛ ذلك بأن الخطيب كفر بما أساء به إلى رسول الله ﷺ تعريضًا لا تصريحًا؛ لأن الله- سبحانه وتعالى - عتب على رسول الله ﷺ حين جاءه ابن أم مكتوم الأعمى، وهو يحدث بعض صناديد قريش يدعوهم إلى الإسلام، فأعرض عن الأعمى قليلًا حتى يفرغ من حديثه، فأنزل الله عتاب رسوله في هذه السورة الكريمة، ثم جاء الخطيب يريد أن يتملق السلطان، فمدحه بما يوهم السامع أنَّه يريد إظهار منقبة للسلطان، بالقياس إلى ما عاتب الله عليه رسوله، ثم ذهب الشيخ فورًا إلى قصر عابدين، وقابل محمود شكري باشا رئيس الديوان، وطلب منه أن يبلغ السلطان حكم الشرع في هذا بوجوب إعادة الصلاة التي بطلت بكفر الخطيب".

2-موقفه في الدفاع عن الإسلام ورده على اللورد كرومر:
لما صدر الأمر العالي بتعيين الشيخ محمد شاكر شيخًا لعلماء الإسكندريَّة سنة 1322هـ/ 1904م، وضع أسس النظام في التعليم، وأحسن اختيار الكتب والمقررات الدراسيَّة مع العلوم الحديثة، وَسَنَّ سُنَّة حسنة أن يحتفل آخر كلِّ عام دراسي احتفالًا رسميًّا بالناجحين من الطلاب، وتُعْطَى لهم مكافآت من الكتب العلميَّة النفيسة، ويحضره الخديو أو نائب عنه، ويحضره الوزراء والكبار والعلماء والطلاب في مسجد أبي العباس المرسي، ويخطب شيخ العلماء.

وفي يوم السبت 22 من رجب سنة 1325هـ الموافق 31 أغسطس سنة 1907م، أقيم احتفال بالطلاب، وألقى الشيخ محمد شاكر خطبة ردَّ فيها على اللورد كرومر لكلمات تعرض فيها للإسلام، وكان من شهود الحفل: حسين فخري باشا القائم برئاسة مجلس الوزراء، ووزير الأشغال العموميَّة، ووزير الماليَّة، وحاكم (محافظ) مديريَّة الإسكندريَّة، ورئيس الديوان العربي الخديوي، ووكيل الأوقاف، فقام بالواجب في الذبِّ عن الإسلام خير قيام، وكان مما قاله في الخطبة الشهيرة: «ويقولون إنَّ هذا الدين يجيز الرق، ويتضمن سننًا وشرائع في علاقات النساء بالرجال تناقض آراء أهالي هذا العصر! نعم إنَّ الدين الإسلامي أباح الاسترقاق، كما أباحته كلُّ الشرائع السماوية من قبل، ولكنه سوَّى بين الأرقاء وبين الآباء والأمهات في الوصية بالإحسان والرفق والحنان، أليس يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﱡ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨﱠ، أباح الدين الإسلامي استرقاق الأفراد، ولكنه لم يبح استرقاق الشعوب، ولا مصادرة الأمم في مقومات حياتها القوميَّة والاجتماعيَّة، أمَّا علاقات النساء بالرجال، فليس وراء الشريعة الإسلاميَّة غاية في عدل ولا مرحمة، ولا في محافظة على الأعراض المصونة، يتطلع إليها أصحاب النفوس الأبيَّة" .

3- دوره في النهوض بالتعليم الأزهري وطلابه:
عاد الشيخ من السودان إلى القاهرة في أوائل صيف عام 1322هـ/ 1904م في عطلة سنويَّة، وكأنَّما كانت تعده الأقدار لمنصب جديد، يظهر فيه فضل الإنشاء والتجديد، فقد رُئِيَ قبل ذلك بعام أنَّ تلحق الإسكندريَّة بالجامع الأزهر في التدريس والامتحان، وكان الجامع (الأنور) الإسكندري موقوفًا للتدريس من قبل الشيخ إبراهيم باشا، الجد الأعلى للشيخين أحمد الباشا ومحمود الباشا؛ ورفض أولاد الواقف أخيرًا أن يتبعوا مجلس إدارة الأزهر في إدارته ونظامه، وقرر مجلس الأزهر تعيين شيخ لعلماء الإسكندريَّة غير الشيخ محمود الباشا، ووقع الاختيار على الشيخ محمد شاكر بترشيحٍ من الإمام محمد عبده، وصدر الأمر العالي بذلك في 26 أبريل سنة 1904م.

وإذا كانت قد ظهرت في القضاء الشرعي بالسودان مزيته الفقهيَّة فقد ظهرت في معهد الإسكندريَّة فضيلته التعليميَّة يطالعنا إياها الشيخ محمود أحمد الغمراوي شيخ معهدي دسوق والزقازيق سابقًا بقوله: "ثم أنشأ المغفور له الخديو عباس الثاني معهد الإسكندريَّة، واختار شيخًا له القاضي العادل، والمربي الكبير المغفور له الشيخ محمد شاكر، فنهض بالمعهد نهوضًا فائقًا، وجعل تعلم هذه العلوم – يعني علوم الثقافة الحديثة – إجباريًّا؛ فازدهر معهد الإسكندريَّة بهذه العلوم إلى جانب علوم الدين واللغة أيما ازدهار".

"واستن الشيخ شاكر في معهد الإسكندريَّة الديني سُنَّة التقرير السنوي عن أعمال المشيخة كل عام، يرفعه إلى ولي الأمر أولًا، وإلى من يهمهم أمر التعليم الديني ثانيًا، وقد كان يعد هذه التقارير بنفسه ويكتبها بقلمه، ففيها روحه وأسلوبه، وفيها دقته وترتيبه، وفيها المقدمة وجداول الإحصاء المنظمة تارة بحسب المذاهب، وتارة بحسب أقاليم الطلاب، وفيها جداول الامتحان، وعدد المتقدمين له، والناجحين فيه، وفيها فوق ذلك خُطَبَهُ التي اعتاد أن يلقيها كل عام في حفل توزيع المكافآت على الناجحين، وفيها خطة للدراسة تدل على فهم سليم لسياسة التعليم".
وكانت صلات الشيخ مع كرام الرجال المفكرين تعطفهم على الطلاب بهدايا الكتب، فقد أهدى محمد طلعت حرب بك مائة نسخة من كتاب (تاريخ دول العرب والإسلام)، كما أهدى محمود بك أبو النصر المحامي تسعين نسخة من كتاب (إرشاد القاصد لابن ساعد الأنصاري).

ولقد كان لطبيعة النظام والتنظيم في عقليَّة الشيخ شاكر أثرها في النهوض بمشيخة علماء الإسكندريَّة في وقت قصير، فألف طلابها النظام وتعودوه، وتعود علماء المشيخة ضبط المواعيد، والمواظبة على إلقاء الدروس، وتنظيم ساعات العمل، والتقيد بمنهج مرسوم وبرنامج محتوم، واختار الشيخ أربعة من علماء الجامع الأزهر؛ ليكونوا عونًا له في الإسكندريَّة، وهم: الشيخ عبد الله دراز، والشيخ عبد المجيد الشاذلي، والشيخ عبد الهادي مخلوف، والشيخ إبراهيم الجبالي ، وظلَّ الشيخ في المشيخة، كما كان في القضاء، محتفظًا بكرامته معتدًّا بشخصيته واثقًا بنفسه، وكان يشيع تلك الخلال في طلابه وفي العلماء، ومما سطره له التاريخ في هذا الصدد أن أحد مدرسي المعهد دُعِي من أحد أقسام المدينة ليؤدي شهادة، ولم يصل الاستدعاء إلى المدرس عن طريق المشيخة، ولكن وصل عن طريق مأمور قسم الشرطة، فغضب الشيخ وصمَّمَ ألَّا يذهب المدرس حتى يُصحَّح الوضع.

وفي 19 من ذي القعدة 1328هـ/ 21 من نوفمبر 1910م أصدر الخديو عباس حلمي الثاني أمره بتكليف الشيخ محمد شاكر وكيل الجامع الأزهر بالتوجه إلى أقاليم الوجه القبلي؛ للنظر في حالة التعليم الديني، والجهات التي يحسن إنشاء معاهد دينيَّة أوليَّة بها؛ وذلك استجابةً لمطالب الأهالي والأعيان والنواب بالوجه القبلي بإنشاء معهد ديني أزهري بالوجه القبلي في أواخر العام المذكور، فقام الشيخ شاكر برحلة إلى تلك الأقاليم، وزار مساجدها الكبرى، وتفقد أحوالها، وزار مساجد مدينة أسيوط، فوجدها تصلح لإنشاء معهد ديني بها، وحينما عاد من رحلته قدَّم تقريره لمشيخة الأزهر، فأرسلَتْه إلى رئاسة مجلس النظار؛ لعرضه على الخديو، فكان ذلك إيذانًا بإنشاء معهد أسيوط عام 1333هـ/ 1915م في عهد السلطان حسين كامل.

4- محاولاته الحثيثة في إصلاح المحاكم الشرعيَّة:
يعد الشيخ محمد شاكر –رحمه الله– من أوائل مَنْ فكروا في إصلاح المحاكم الشرعيَّة، ومن الوقائع الدالة على ذلك: أنَّه لمَّا كان أمينًا للفتوى جاءت امرأة شابة حُكِمَ على زوجها بالسجن مدة طويلة، وهي تخشى الفتنة، وتريد عرض أمرها على المفتي؛ ليرى لها رأيًا من زوجها، حتى تتزوج رجلًا آخر، وتعصم نفسها، فصرفها الشيخ معتذرًا آسفًا متألمًا؛ إذ كانت الأحكام مقيدة بمذهب أبي حنيفة، وقضاة هذه المحاكم في ذلك الوقت كانوا يأبون التفكير في مخالفة مذهبه، بل يكادون يرون في الخروج على المذهب أكبر المنكرات، وليس في مذهب أبي حنيفة ما يجيز للقاضي أن يطلق على الزوج المعسر أو المحبوس، ثم عرض الشيخ محمد شاكر أمرها على شيخه المفتي، واقترح عليه اقتباس بعض الأحكام من مذهب الإمام مالك في مثل هذه المشاكل المعضلة، فأبى الشيخ كلَّ الإباء، وثار بينهما جدال لم يقطع حبل المودة بين التلميذ وأستاذه، وظل الشيخ مقتنعًا برأيه، واثقًا بصحته وفائدته للناس، حتى كانت سنة 1899م وقد مكث الشيخ في المحاكم الشرعيَّة نحو خمس سنوات، واطلع على كثير من عيوبها، وما يرهق الناس من أحكامها، سواء في التقيد بمذهب واحد، أو في سوء اختيار عمالها، أو في إجراءاتها المعقدة المطولة، أو في نظمها وأمكنتها، ومن ثَمَّ وضع تقريرًا نفيسًا قدمه لأستاذه الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصريَّة، نقد فيه هذه المحاكم وقضاتها وعمالها وكل أحوالها، وأبان أوجه النقص والخطأ في اللائحة التي كان معمولًا بها في ذلك الوقت، واقترح طرق الإصلاح تفصيلًا، ومنها اقتباس بعض الأحكام من مذهب الإمام مالك في التطليق للإعسار، وللضرر، وللغيبة الطويلة، وكان ذلك التقرير فاتحة العمل الصحيح بإصلاح المحاكم الشرعيَّة، وفي تلك السنة طاف الأستاذ الإمام محمد عبده على كثير من محاكم الوجه البحري، واطلع على سير الأعمال فيها؛ ليصف لها الدواء والعلاج بحكمته، ثم وضع هو أيضًا تقريره المشهور في إصلاح المحاكم في نوفمبر 1899م، وهو التقرير الذي طبع بمطبعة المنار في شهر شوال 1317هـ/ فبراير 1900م، فاتفق رأي الأستاذ الإمام ورأي تلميذه.

ولمَّا كانت الظروف في مصر غير مواتية لتنفيذ تلك الإصلاحات فقد حاول الإمام محمد عبده أن يمكن للشيخ محمد شاكر في بعض البلدان، حتى ينفذ آراءه في الإصلاح؛ ولذلك زكَّاه لمنصب قاضي قضاة السودان، وتم التعيين في 9 من ذي القعدة 1317هـ/ 11 من مارس 1900م، وكانت السودان بعد الثورة المهديَّة قد هدمت النظم والقوانين، فكان ذلك أيسر للشيخ محمد شاكر في وضع النظم للمحاكم هناك على النحو الذي يريد، وتنفيذ آرائه كلِّها أو أكثرها في الإصلاح والتجديد، على مثال لم يسبق إليه، واقتبس في التشريع من المذاهب الإسلاميَّة ما كانت الحاجة إليه ماسة، مما تنصره أدلة الشريعة وفقهها الصحيح.

 

 

أصيب الشيخ محمد شاكر سنة 1931م بمرض الفالج، وبعد ثلاثة وسبعين عامًا قضاها الشيخ محمد شاكر تعلُّمًا وتعليمًا، وإصلاحًا، وكفاحًا في ميادين القضاء والفتوى، لبَّى نداء ربه في الساعة الثامنة من صباح يوم الخميس الحادي عشر من جمادى الأولى 1358هـ الموافق التاسع والعشرين من يونيه سنة 1939م، رحمه الله رحمة واسعة، وأنزله منازل الأبرار.

 

 

الوثائق

هيئة كبار العلماء هيئة كبار العلماء هيئة كبار العلماء

هيئة كبار العلماء هيئة كبار العلماء هيئة كبار العلماء

 

صور

أفلام تسجيلية

أغلفة

الشيخ سليم البشري

الشيخ محمد ابو الفضل الجيزاوي

الشيخ محمد حسنين مخلوف
الشيخ هارون عبدالرازق
الشيخ محمد راشد المالكي
الشيخ محمد الروبي
الشيخ دسوقي العربي
الشيخ احمد نصر العدوي
الشيخ محمد طموم
الشيخ حسونه النواوي
الشيخ بكر عاشور الصدفي
الشيخ محمد بخيت المطيعي
الشيخ محمد شاكر الجرجاوي
الشيخ مصطفي احمد حميدة
الشيخ احمد ادريس
الشيخ محمود رضوان الجزيري
الشيخ محمد احمد الطوخي
الشيخ محمد بخاتي
الشيخ ابراهيم الحديدي
الشيخ محمد راضي البحراوي
الشيخ سليمان العبد
الشيخ محمد الرفاعي المحلاوي
الشيخ محمد ابراهيم الياقاتي
الشيخ محمد النجدي
الشيخ عبدالحميد زايد
الشيخ سعيد بن علي الموجي
الشيخ عبدالمعطي الشرشيمي
الشيخ يونس العطافي
الشيخ محمد قنديل الهلالي
الشيخ احمد البسيوني الحنبلي
الشيخ محمد اسماعيل البرديسي
الشيخ عبدالرحمن قراعة
الشيخ عبدالغني محمود
الشيخ محمد ابراهيم السمالوطي
الشيخ يوسف الدجوي
الشيخ ابراهيم بصيله
الشيخ محمود الاحمدي الظواهري
الشيخ مصطفي الهيياوي

الشيخ يوسف شلبي الشبرابخومي

الشيخ محمد سبيع الذهبي
الشيخ محمود حمودة
الشيخ احمد الدلبشاني
الشيخ محمد مصطفي المراغي
الشيخ حسين والي
الشيخ محمد الحلبي
الشيخ سيد علي المرصفي
الشيخ عبدالرحمن عليش
الشيخ احمد هارون عبدالرازق

الشيخ عبد المجيد سليم

جميع الحقوق محفوظة لهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف @ 2021